فاحتمل يا حنيفي جهد ساعة لعزّ الأبد ، فوقر في قلبي المعرفة ، فقال : حسبك أو أزيدك ؟ فقلت : بلى قال : أنزل عن الصومعة فنزلت فأدلى لي ركوة فيها عشرون حمّصة ، فقال لي : ادخل إلى الدّير فقد رأوا ما أدليت إليك فلمّا دخلت الدّير اجتمعت النصارى عليّ فقالوا : يا حنيفي ما الَّذي أدلى إليك الشيخ قلت : من قوته قالوا : وما تصنع به ونحن أحقّ به ثمّ قالوا : ساوم ، قلت : عشرون دينارا ، فأعطوني عشرين دينارا ، فرجعت إلى الشيخ فقال : يا حنيفي ما الَّذي صنعت ؟ قلت : بعته منهم ، قال : بكم ؟ قلت : بعشرين دينارا ، قال : أخطأت لو ساومتهم بعشرين ألف دينار لأعطوك ، هذا عزّ من لا تعبده فانظر كيف يكون عزّ من تعبده ؟ يا حنيفي أقبل على ربّك ودع الذّهاب والجيئة .
المقصود أنّ استشعار النفس عزّ العظمة في القلوب يكون باعثا في الخلوة ، وقد لا يشعر العبد به ، فينبغي أن يلزم نفسه الحذر منه ، وعلامة سلامته أن يكون الخلق عنده والبهائم بمثابة واحدة فلو تغيّروا له من اعتقادهم له لم يجزع ولم يضق به ذرعا إلا كراهية ضعيفة إن وجدها في قلبه فيردّها في الحال بعقله وإيمانه فإنّه لو كان في عبادة فاطَّلع الناس كلَّهم عليه لم يزده ذلك خشوعا ، ولم يداخله سرور بسبب اطَّلاعهم عليه ، فإن دخل سرور يسير فهو دليل ضعفه ولكن إذا قدر على ردّه بكراهة العقل والإيمان وبادر إلى ذلك ولم يقبل ذلك السّرور بالركون إليه فيرجى له أن لا يخيب سعيه إلا أن يزيد عند مشاهدتهم في الخشوع والانقباض كيلا ينبسطوا إليه ، فذلك لا بأس به ولكن فيه غرور إذ النفس قد تكون شهوتها الخفيّة إظهار الخشوع وتتعلل بطلب الانقباض ، فليطالبها في دعواها قصد الانقباض بموثق من اللَّه غليظ وهو أنّه لو علم أنّ انقباضهم عنه إنّما حصل بأن يعدو كثيرا أو يضحك كثيرا أو يأكل كثيرا فتسمح نفسه بذلك ، فإذا لم تسمح به وسمحت بالعبادة فيشبه أن يكون مرادها المنزلة عندهم ولا ينجو من ذلك إلا من تقرّر في قلبه أنّه ليس في الوجود أحد سوى اللَّه تعالى ، فيعمل عمل من لو كان على وجه الأرض وحده لكان يعمله ، فلا يلتفت قلبه إلى الخلق إلا خطرات ضعيفة لا يشقّ عليه إزالتها ، فإذا كان كذلك لم يتغيّر بمشاهدة
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 208
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٠٨