إذا دعتك نفسك إلى أن تستبدل بحمده حمد المخلوقين وهو مطَّلع على قلبك ، ولو اطَّلع الخلق على قلبك وأنت تريد حمدهم لمقتوك ، بل إن قدرت على أن تزيد في العمل حياء من ربّك وعقوبة لنفسك فافعل ، فإن قال لك الشيطان : أنت مراء فاعلم كذبه لما تصادف قلبك من كراهة الرّياء وإبائه وخوفك منه وحيائك من اللَّه ، وإن لم تجد في قلبك له كراهية ومنه خوفا ولم يبق باعث دينيّ بل تجرّد باعث الرّياء فاترك العمل عند ذلك ، وهو بعيد فمن شرع في العمل للَّه تعالى فإنّه لابد أن يبقى معه أصل قصد الثواب . فإن قلت : فقد نقل عن أقوام ترك العمل مخافة الشهرة . قلنا : هذا يعارضه ما ورد من إظهار الطاعات ممّن لا يحصى ، وبالجملة ترك النوافل جائز والكلام في الأفضل والأفضل إنّما يقدر عليه الأقوياء دون الضعفاء فالأفضل أن يتمّ العمل ويجتهد في الإخلاص ولا يتركه ، وأرباب الأعمال قد يعالجون أنفسهم بخلاف الأفضل لشدّة الخوف فالاقتداء ينبغي أن يكون بالأقوياء . القسم الثاني ما يتعلَّق بالخلق وتعظم فيه الآفات والأخطار ، أعظمها الخلافة ثمّ القضاء ، ثمّ التذكير والتدريس والفتوى ، ثمّ إنفاق المال . أمّا الخلافة والإمارة فهي من أفضل العبادات إذا كانت مع العدل والإخلاص ، وقد قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « ليوم من إمام عادل خير من عبادة الرّجل وحده ستّين عاما » ( 1 ) فأعظم بعبادة يوازي يوم منها عبادة ستّين سنة . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « أوّل من يدخل الجنّة ثلاثة الإمام المقسط أحدهم » ( 2 ) . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « ثلاثة لا تردّ دعوتهم الإمام العادل » منهم [ 1 ] .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 192
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٩٢
هامش
( 1 ) أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط ، واسناد الكبير حسن كما في الترغيب والترهيب للمنذري ج 3 ص 167 .
( 2 ) أخرجه مسلم ج 8 ص 159 من حديث عياض بن حمار المجاشعي في حديث طويل هكذا « وأهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق موفق ، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم ، وعفيف متعفف ذو عيال . . . الحديث »
[ 1 ] أخرجه ابن ماجة تحت رقم 1752 « ثلاثة لا ترد دعوتهم : الإمام العادل ، والصائم حتى يفطر ، ودعوة المظلوم يرفعها اللَّه دون الغمام يوم القيامة . . . الحديث » .