تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
ذلك الحبل شيئا فشيئا ولا يفتران عن قرضه آنا من الآنات ، وذلك الشخص مع أنّه يرى ذلك الثعبان ويشاهد انقراض الحبل آنا فآنا قد أقبل على قليل عسل قد لطخ به جدار ذلك البئر وامتزج بترابه واجتمع عليه زنابير كثيرة ، وهو مشغول بلطعه ، منهمك فيه ، ملتذّ بما أصاب منه ، مخاصم لتلك الزنابير عليه ، قد صرف باله بأجمعه إلى ذلك ، غير ملتفت إلى ما فوقه وإلى ما تحته . فالبئر هو الدّنيا والحبل هو العمر والثعبان الفاتح فاه هو الموت والجرذان اللَّيل والنهار القارضان للأعمار ، والعسل المختلطة بالتراب هو لذّات الدّنيا الممتزجة بالكدورات والآلام والزنابير هم أبناء الدّنيا المتزاحمون عليها . وما أشدّ انطباق هذا المثال على الممثّل له فنسأل اللَّه الهداية والبصيرة ونعوذ به من الغفلة والغواية . * ( بيان حقيقة الدنيا وماهيتها في حق العبد ) * اعلم أنّ معرفة ذمّ الدّنيا لا تكفيك ما لم تعرف الدّنيا المذمومة ما هي وما الَّذي ينبغي أن يجتنب ، وما الَّذي لا يجتنب ، فلابدّ أن نبيّن الدّنيا المذمومة المأمور باجتنابها لكونها عدوّة قاطعة لطريق اللَّه ما هي ؟ فنقول : دنياك وآخرتك عبارتان عن حالتين من أحوال قلبك والقريب الدّاني منهما يسمّى دنيا وهو كلّ ما قبل الموت والمتراخي المتأخّر يسمّى آخرة وهو ما بعد الموت ، فكلّ مالك فيه حظَّ وغرض ونصيب وشهوة ولذّة في عاجل الحال قبل الوفاة فهي الدّنيا في حقّك إلا أنّ جميع مالك إليه ميل وفيه نصيب وحظَّ فليس بمذموم بل هي ثلاثة أقسام : القسم الأوّل ما يصحبك في الدّنيا ويبقى معك ثمرته بعد الموت وهو شيئان العلم والعمل فقط ، وأعني بالعلم العلم باللَّه وصفاته وأفعاله وملائكته وكتبه ورسله وملكوت أرضه وسمائه والعلم بشريعة نبيّه ، وأعني بالعمل العبادة الخالصة لوجه اللَّه وقد يأنس العالم بالعلم حتّى يصير ذلك ألذّ الأشياء عنده فيهجر النوم والمنكح والمطعم في لذّته لأنّه أشهى عنده من جميعها فقد صار حظا عاجلا في الدّنيا ،