تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠

قصد الاستعانة على العلم والعمل لم يكن به متناولا للدّنيا ولم يصر به من أبناء الدّنيا وإن كان باعثه الحظَّ العاجل دون الاستعانة على التقوى التحق بالقسم الثاني وصار من جملة الدّنيا ولا يبقى مع العبد عند الموت إلا ثلاث صفات : صفاء القلب أعني طهارته عن أدناس الدّنيا ، وأنسه بذكر اللَّه ، وحبّه للَّه ، واعلم أنّ صفاء القلب وطهارته لا تحصل إلا بالكفّ عن شهوات الدّنيا ، والأنس لا يحصل إلا بكثرة ذكر اللَّه والمواظبة عليه ، والحبّ لا يحصل إلا بالمعرفة ولا تحصل المعرفة إلا بدوام الفكر ، وهذه الصفات الثلاث هي المنجيات المسعدات بعد الموت ، وهي الباقيات الصّالحات ، أمّا طهارة القلب عن شهوات الدّنيا فهي من المنجيات إذ تكون جنّة بين العبد وبين عذاب اللَّه كما ورد في الخبر « أنّ أعمال العبد تناضل عنه فإذا جاء العذاب من جهة رجليه جاء قيام اللَّيل يدفع عنه وإذا جاء من جهة يديه جاءت الصدقة تدفع عنه - الحديث » ( 1 ) فأمّا الأنس والحبّ فهما من المسعدات وهما موصلان للعبد إلى لذّة اللَّقاء والمشاهدة وهذه السعادة تتعجّل عقيب الموت إلى أن يدخل الجنّة فيصير القبر روضة من رياض الجنّة ، وكيف لا يكون القبر عليه روضة ولم يكن له إلا محبوب واحد وكانت العوائق تعوقه عن الأنس بدوام ذكره ومطالعة جماله فارتفعت العوائق ، وأفلت من السجن وخلَّى بينه وبين محبوبه فقدم عليه مسرورا سالما من الموانع آمنا من الفراق وكيف لا يكون محبّ الدّنيا عند الموت معذّبا ولم يكن له محبوب إلا الدّنيا وقد غصب منه وحيل بينه وبينه ، وسدّت عليه طرق الحيلة في الرّجوع إليه ، وقد قيل في ذلك : ما حال من كان له واحد * غيّب عنه ذلك الواحد وليس الموت عدما إنّما هو فراق لمحابّ الدّنيا وقدوم على اللَّه تعالى ، فإذا سالك طريق الآخرة هو المواظب على أسباب هذه الصفات الثلاث وهي الذّكر والفكر والعمل الَّذي يفطمه عن شهوات الدّنيا ويبغّض إليه ملاذّها ويقطعه عنها ، وكلّ ذلك لا يمكن إلا بصحّة البدن وصحّة البدن لا تنال إلا بالقوت والملبس والمسكن ويحتاج كلّ واحد إلى أسباب ، فالقدر الَّذي لا بدّ منه من هذه الثلاثة

هامش
( 1 ) أخرجه الطبراني من حديث عبد الرحمن بن سمرة بطوله ( المغني ) .