تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧

إلى ماء ليس كمائكم وإلى رياض ليست كرياضكم فقال أكثرهم : واللَّه ما وجدنا هذا حتّى ظنّنا أنّا لن نجده وما نصنع بعيش خيرا من هذا وقالت طائفة وهم أقلَّهم : ألم تعطوا هذا الرّجل عهودكم ومواثيقكم باللَّه أن لا تعصوه شيئا ؟ وقد صدقكم في أوّل حديثه فواللَّه ليصدقنّكم في آخره فراح فيمن اتّبعه وتخلَّف بقيّتهم فبدر بهم عدوّ فأصبحوا من بين أسير وقتيل » ( 1 ) . مثال آخر لتنعّم الناس بالدّنيا ثمّ تفجّعهم على فراقها : اعلم أنّ مثل الناس فيما أعطوا من الدّنيا مثل رجل هيّأ دارا وزيّنها وهو يدعو إلى داره على الترتيب قوما واحدا بعد واحد ، فدخل واحد داره فقدّم إليه طبق ذهب عليه بخور ورياحين ليشمّه ويتركه لمن يلحقه لا ليتملَّكه ويأخذه ، فجهل رسمه فظنّ أنّه قد وهب ذلك له فتعلَّق به قلبه لما ظنّ أنّه له ، فلمّا استرجع منه ضجر وتفجّع ، ومن كان عالما برسمه انتفع به وشكره وردّه بطيبة قلب وانشراح صدر ، فكذلك من عرف سنّة اللَّه في الدّنيا علم أنّها دار ضيافة سبّلت على المجتازين لا على المقيمين ليتزوّدوا منها وينتفعوا بما فيها كما ينتفع المسافر بالعواري ولا يصرفون إليها كلّ قلوبهم حتّى تعظم مصيبتهم عند فراقها . فهذه أمثلة الدّنيا وآفاتها وغوائلها . أقول : وههنا مثال آخر أورده شيخنا الصدوق - رحمه اللَّه - في كتاب إكمال الدّين وإتمام النعمة ( 2 ) ناقلا عن بعض الحكماء لا بأس بإيراده وهو هذا : مثال آخر : ما أشبه حال الإنسان واغتراره بالدّنيا وغفلته عن الموت وما بعده من الأهوال وانهماكه في اللَّذّات العاجلة الفانية الممتزجة بالكدورات بشخص مدلى في بئر ، مشدود وسطه بحبل ، وفي أسفل ذلك البئر ثعبان عظيم متوجّه إليه منتظر سقوطه ، فاتح فاه لالتقامه ، وفي أعلى ذلك البئر جرذان أبيض وأسود لا يزال يقرضان

هامش
( 1 ) أخرجه ابن أبي الدنيا هكذا بطوله . ولا حمد والبزار والطبراني من حديث ابن عباس بنحو أخصر منه واسناده حسن ( المغني ) .
( 2 ) المصدر ص 327 أورده المؤلف نقلا بالمعنى لا باللفظ .