نهشته الحيّات وتفرّقوا كالجيف المنتنة وأمّا من وصل إلى المركب بثقل ما أخذه من الأزهار والأحجارة المزبرجة فقد استرقّته وشغله الحزن بحفظها والخوف من فوتها ، وقد ضيّق عليه مكانه فلم يلبث أن ذبلت تلك الأزهار وكمدت ألوان الأحجار وظهر نتن رائحتها فصار مع كونه مضيّقا عليه متأذّيا بنتنها ووحشتها فلم يجد حيلة إلا أن ألقاها في البحر ، هاربا منها وقد أثر فيه ما أكل منها فلم ينته إلى الوطن إلا بعد أن ظهرت عليه من الأسقام بتلك الرّوائح فبلغ سقيما مدنّفا . ومن رجع قريبا ما فاته إلا سعة المحلّ فتأذّى بضيق المكان مدّة ولكن لمّا وصل إلى الوطن استراح .
ومن رجع أوّلا وجد المكان الأوسع ووصل إلى الوطن سالما . فهذا مثال أصناف أهل الدّنيا في اشتغالهم بحظوظهم العاجلة ونسيانهم موردهم ومصدرهم وغفلتهم عن عاقبة أمورهم ، وما أقبح من يزعم أنّه بصير عاقل أن تغرّه أحجار الأرض وهي الذّهب والفضّة وهشيم النبت وهي زينة الحياة الدّنيا وشئ منه لا يصحبه عند الموت بل يصير كلا ووبالا عليه وهو في الحال شاغل له بالخوف والحزن عليه ، وهذا هو حال الخلق كلَّهم إلا من عصمه اللَّه عزّ وجلّ .
مثال آخر لاغترار الخلق بالدّنيا وضعف إيمانهم بقول اللَّه تعالى في تحذيره إيّاهم غوائل الدّنيا :
روي أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال لأصحابه : « إنّما مثلي ومثلكم ومثل الدّنيا كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء حتّى إذا لم يدروا ما سلكوا منها أكثر أو ما بقي ؟
أنفدوا الزّاد وخسروا الظهر وبقوا بين ظهراني المفازة لا زاد ولا حمولة فأيقنوا بالهلكة فبيناهم كذلك إذ خرج عليهم رجل في حلَّة يقطر رأسه ماء فقالوا هذا قريب عهد بريف وما جاءكم هذا إلا من قريب ، فلمّا انتهى إليهم قال : يا هؤلاء قالوا : يا هذا ، قال :
على م أنتم ؟ فقالوا : على ما ترى ، قال : أرأيتم أن هديتكم إلى ماء رواء ورياض خضر ما تعملون ؟ قالوا : لا نعصيك شيئا ، قال : عهودكم ومواثيقكم باللَّه ، فأعطوه عهودهم ومواثيقهم باللَّه لا يعصونه شيئا ، قال : فأوردهم ماء رواء ورياضا خضرا فمكث فيهم ما شاء اللَّه ثمّ قال : يا هؤلاء ، قالوا : يا هذا ، قال : الرّحيل ، قالوا : إلى أين ، قال :
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 16
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٦