عليه ما روي عن عائشة أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أراد يوما أن يخرج على أصحابه به فكان ينظر في حبّ من الماء ويسوّي عمامته وشعره فقالت : أو تفعل ذلك يا رسول اللَّه ؟ فقال : نعم « إنّ اللَّه يحبّ من العبد أن يتزيّن لإخوانه إذا خرج إليهم » ( 1 ) ، نعم هذا كان من رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عبادة لأنّه كان مأمورا بدعوة الخلق وترغيبهم في الاتّباع واستمالة قلوبهم ، ولو سقط من أعينهم لم يرغبوا في اتّباعه فكان يجب عليه أن يظهر لهم من محاسن أحواله لكيلا تزدريه أعينهم فإنّ أعين عوام الخلق تمتدّ إلى الظواهر دون السرائر فكان ذلك قصد رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ولكن لو قصد قاصد به أن يحسن نفسه في أعينهم حذرا من ذمّهم ولومهم واسترواحا إلى توقيرهم واحترامهم كان قد قصد أمرا مباحا إذ للإنسان أن يحترز من ألم المذمّة ويطلب راحة الأنس بالإخوان ومهما استثقلوه واستقذروه لم يأنس بهم ، فإذا المراءاة بما ليس من العبادات قد تكون مباحا وقد تكون طاعة وقد تكون مذمومة وذلك بحسب الغرض المطلوب بها ولذلك نقول الرّجل إذا أنفق ماله على جماعة من الأغنياء لا في معرض العبادة والصدقة ولكن ليعتقد الناس أنّه سخيّ فهذا مراءاة ليس بحرام وكذلك أمثاله . أمّا العبادات كالصدقة والصلاة والغزو والحجّ فللمرائي فيه حالتان إحداهما أن لا يكون له قصد إلا الرّياء المحض دون الأجر وهذا يبطل عبادته لأنّ الأعمال بالنيّات وهذا ليس بقصد العبادة ثمّ لا يقتصر على إحباط عبادته حتّى نقول : صار كما كان قبل العبادة بل يعصي بذلك ويأثم لما دلَّت عليه الأخبار والآيات ، والمعنيّ فيه أمران أحدهما يتعلَّق بالعبادة وهو التلبيس والمكر لأنّه خيّل إليهم أنّه مخلص مطيع للَّه وأنّه من أهل الدّين وليس كذلك ، والتلبيس في أمر الدّنيا أيضا حرام حتى لو قضى دين جماعة وخيّل إلى الناس أنّه متبرّع عليهم ليعتقدوا سخاوته أثم بذلك لما فيه من التلبيس وتملَّك القلوب بالخداع والمكر ، والثاني يتعلَّق باللَّه وهو أنّه مهما قصد بعبادة اللَّه خلق اللَّه فهو مستهزئ باللَّه ولذلك قال قتادة : إذا رائي العبد قال اللَّه تعالى لملائكته : انظروا إليه كيف يستهزئ بي . ومثاله أن تمثّل بين يدي
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 153
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٥٣
هامش
( 1 ) قال العراقي : أخرجه ابن عدي في الكامل من حديث عائشة .