تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤

بالشهوات وعدم الانقياد لها كمالا ككمال العلم وكمال الحرّيّة وأعني به عدم العبوديّة للشهوات وإرادة الأسباب الدّنياويّة وكمال القدرة للعبد طريق إلى اكتساب كمال العلم وكمال الحرّيّة ولا طريق له إلى اكتساب كمال القدرة الباقية بعد موته إذ قدرته على أعيان الأموال وعلى استسخار القلوب والأبدان تنقطع بالموت ومعرفته وحرّيّته لا تنعدمان بالموت بل تبقيان كمالا فيه ووسيلة إلى القرب من اللَّه تعالى . فانظر كيف انقلب الجاهلون وانكبّوا على وجوههم انكباب العميان فأقبلوا على طلب كمال القدرة بالمال والجاه وهو الكمال الَّذي لا يسلم وإن سلم فلا بقاء له وأعرضوا عن كمال الحرّيّة والعلم الَّذي إذا حصل كان أبديّا لا انقطاع له وهؤلاء هم « الَّذين اشتروا الحياة الدّنيا بالآخرة فلا جرم لا يخفّف عنهم العذاب ولا هم ينصرون ، وهم الَّذين لم يفهموا قوله تعالى : « المال والبنون زينة الحياة الدّنيا والباقيات الصالحات خير عند ربّك » ( 1 ) فالعلم والحريّة هي الباقيات الصالحات الَّتي تبقى كمالا في النفس ، والمال والجاه هو الَّذي ينقضي على القرب وهو كما مثّله اللَّه تعالى حيث قال : « إنّما مثل الحياة الدّنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض - الآية - » ( 2 ) وكلّ ما تذروه الرّياح بالموت فهو زهرة الحياة الدّنيا ، وكلّ ما لا يقطعه الموت فهو من الباقيات الصالحات ، فقد عرفت بهذا أنّ كمال القدرة بالمال والجاه كمال ظنّيّ لا أصل له وأنّ من قصّر الوقت على طلبه وظنّه مقصودا فهو جاهل إلا قدر البلغة منها إلى الكمال الحقيقيّ . * ( بيان ما يحمد من حب الجاه وما يذم ) * ومهما عرفت أنّ معنى الجاه ملك القلوب والقدرة عليها فحكمه حكم ملك الأموال فإنّه عرض من أعراض الحياة الدّنيا وينقطع بالموت كالمال ، والدّنيا مزرعة الآخرة ، فكلّ ما خلق اللَّه من الدّنيا فيمكن أن يتزوّد منه إلى الآخرة ، وكما أنّه لابدّ من أدنى مال لضرورة المطعم والملبس فلابدّ من أدنى جاه لضرورة

هامش
( 1 ) الكهف : 45 .
( 2 ) يونس 25 .