فهذا بيان معنى الخلق وحسنه وقبحه وبيان أركانه وثمراته وفروعه .
* ( بيان قبول الأخلاق للتغيير بطريق الرياضة ) *
اعلم أنّ بعض من غلبت البطالة عليه استثقل المجاهدة والرّياضة والاشتغال بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق ، ولم تسمح نفسه بأن يكون ذلك لقصوره ونقصه وخبث دخلته ، وزعم أنّ الأخلاق لا يتصوّر تغييرها وأنّ الطباع لا تتغيّر فاستدلّ فيه بأمرين : أحدهما أنّ الخلق هو صورة الباطن كما أنّ الخلق هو صورة الظاهر والخلقة الظاهرة لا يقدر على تغييرها فالطويل لا يقدر أن يجعل نفسه قصيرا ، ولا القصير يقدر على أن يجعل نفسه طويلا ، ولا القبيح يقدر على تحسين صورته ، فكذلك الخلق الباطن يجري هذا المجرى ، والثاني أنّهم قالوا : حسن الخلق بقمع الغضب والشّهوة وقد جرّبنا ذلك بطول المجاهدة وعرفنا أنّ ذلك من مقتضى المزاج والطبع وأنّه قطَّ لا ينقلع عن الآدميّ فاشتغاله به تضييع زمان بغير فائدة فإنّ المطلوب هو قطع التفات القلب إلى الحظوظ العاجلة وذلك محال وجوده .
فنقول : لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات ولما قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « حسّنوا أخلاقكم » [ 1 ]
وكيف ينكر هذا في حقّ الآدمي وتغيير خلق البهيمة ممكن إذ ينقل الصيد من التوحّش إلى الإنس والكلب من شره الأكل من الصيد إلى التأدّب والإمساك ، والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد وكلّ ذلك تغيير الأخلاق ، والقول الكاشف للغطاء عن ذلك أن نقول :
أنّ الموجودات منقسمة إلى ما لا مدخل للآدميّ واختياره في أصله وتفصيله كالسّماء والكواكب بل أعضاء البدن داخلا وخارجا وسائر أجزاء الحيوانات وبالجملة كلّ ما هو حاصل كامل وقع الفراغ من وجوده وكماله ، وإلى ما وجد وجودا ناقصا وجعل فيه قوّة قبول الكمال بعد أن وجد شرطه ، وشرطه قد يرتبط باختيار العبد فإنّ النواة ليست بتفّاح ولا نخل إلا أنّها خلقت خلقة يمكن أن تصير نخلا
هامش
[ 1 ] أخرج الديلمي في الفردوس من حديث معاذ كما في كنوز الحقائق للمناوي باب الياء هكذا « يا معاذ حسّن خلقك للناس » .