سمّي ذلك تهوّرا ، وإن مالت إلى الضعف والنقصان سمّي ذلك جبنا وخورا ، وإن مالت قوّة الشهوة إلى طرف الزّيادة سمّي شرها ، وإن مالت إلى النقصان سمّى خمودا ، والمحمود هو الوسط وهو الفضيلة ، والطرفان رذيلتان مذمومتان ، والعدل إذا فات فليس له طرفان زيادة ونقصان بل له ضد واحد وهو الجور .
وأمّا الحكمة فيسمّى إفراطها عند الاستعمال في الأغراض الفاسدة خبّا وجربزة ، ويسمّى تفريطها بلها والوسط هو الَّذي يختصّ باسم الحكمة فإذن أمّهات الأخلاق وأصولها أربعة : الحكمة والشجاعة والعفة والعدل ، ونعني بالحكمة حالة للنفس بها تدرك الصواب من الخطأ في جميع الأفعال الاختيارية ، ونعني بالعدل حالة للنفس وقوّة بها تسوس الغضب والشهوة وتحملهما على مقتضى الحكمة وتضبطهما في الاسترسال والانقباض على حسب مقتضاها ، ونعني بالشجاعة كون قوّة الغضب منقادة للعقل في إقدامها وإحجامها ، ونعني بالعفة تأدّب قوّة الشهوة بتأديب العقل والشرع .
فمن اعتدال هذه الأصول الأربعة تصدر الأخلاق الجميلة كلَّها ، إذ من اعتدال قوّة العقل يصدر حسن التدبير وجودة الذّهن وثقافة الرّأي وإصابة الظنّ والتفطَّن لدقائق الأعمال وخفايا آفات النفوس ، ومن إفراطها تصدر الجربزة والمكر والخداع والدّهاء ، ومن تفريطها يصدر البله والغمارة والحمق والجنون ، وأعنى بالغمارة قلَّة التجربة في الأمور مع سلامة التخيّل ، وقد يكون الإنسان غمرا في شيء دون شيء ، والفرق بين الحمق والجنون أنّ الأحمق مقصوده صحيح لكن سلوكه للطريق فاسد فلا يكون له رويّة صحيحة في طريق الوصول إلى الغرض . وأمّا المجنون فإنّه يختار ما لا ينبغي أن يختار فيكون أصل إيثاره واختياره فاسدا .
وأمّا خلق الشجاعة فيصدر منه الكرم والنجدة والشهامة وكسر النفس والاحتمال والحلم والثبات وكظم الغيظ والوقار والتؤدة وأمثالها ، وهي أخلاق محمودة وأمّا إفراطها وهو التهوّر فيصدر منه الصلف والبذخ والاستشاطة والتكبّر والعجب ، وأما تفريطها فيصدر منه المهانة والذلَّة والجزع والخساسة وصغر النفس والانقباض عن تناول الحقّ الواجب .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 97
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٩٧