إن انضاف إليها التربية ولا تصير تفّاحا أصلا ولا بالتربية فإذا صارت النواة متأثّرة بالاختيار حتّى تقبل بعض الأحوال دون بعض فكذلك الغضب والشهوة لو أردنا قمعهما وقهرهما بالكلَّية حتّى لا يبقى لهما أثر لم نقدر عليه أصلا ولو أردنا إسلاسهما وانقياد هما بالرّياضة والمجاهدة قدرنا عليه وقد أمرنا بذلك وصار ذلك سبب نجاتنا ووصولنا إلى اللَّه تعالى ، نعم الجبلات مختلفة فبعضها سريعة القبول وبعضها بطيئة القبول ولاختلافها سببان أحدهما قوّة الغريزة في أصل الجبلَّة وامتداد مدّة الوجود فإنّ قوّة الشهوة والغضب والتكبّر موجودة في الإنسان ولكن أصعبها أمرا وأعصاها على التغيير قوّة الشهوة فإنّها أقدم وجودا إذ الصبيّ في مبدء الفطرة تخلق له الشهوة ثمّ بعد سبع سنين ربما يخلق له الغضب وبعد ذلك يخلق له قوّة التميز .
والسبب الثاني أنّ الخلق قد يتأكَّد بكثرة العمل بمقتضاه والطاعة له وباعتقاد كونه حسنا ومرضيّا والنّاس فيه على أربع مراتب :
الأولى هو الإنسان الغافل الَّذي لا يميز بين الحقّ والباطل والجميل والقبيح بل بقي كما فطر عليه خاليا عن جميع الاعتقادات ولم تستتمّ شهوته أيضا باتّباع اللَّذات فهذا سريع القبول للعلاج جدّا فلا يحتاج إلا إلى معلَّم مرشد وإلى باعث من نفسه يحمله على المجاهدة ، فيحسن خلقه في أقرب زمان .
والثانية أن يكون قد عرف قبح القبيح لكنّه لم يتعوّد العمل الصّالح بل زيّن له سوء عمله فتعاطاه انقيادا لشهواته وإعراضا عن صواب رأيه لاستيلاء الشهوة عليه ولكن علم تقصيره في عمله فأمره أصعب من الأوّل إذ قد تضاعفت الوظيفة عليه إذ عليه وظيفتان : الأولى قلع ما رسخ في نفسه من كثرة التعوّد للفساد والأخرى أن يغرس في نفسه صفة التعوّد للصلاح ولكنّه بالجملة محلّ قابل للرّياضة إن انتهض لها بجدّ وتشمير وحزم .
والثالثة أن يعتقد في الأخلاق القبيحة أنّها الواجبة المستحسنة وأنّها حق وجميل وتربّى على ذلك ، فهذا يكاد تمتنع معالجته ولا يرجى صلاحه إلا على الندور وذلك لتضاعف أسباب الضّلال .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 100
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٠٠