تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦

عن المعرفة فإنّ المعرفة تتعلَّق بالجميل والقبيح جميعا على وجه واحد ، بل هو عبارة عن المعنى الرّابع وهي الهيئة الَّتي بها تستعدّ النفس لأن يصدر منها الإمساك والبذل فالخلق إذن عبارة عن هيئة النفس وصورتها الباطنة وكما أن حسن الصورة الظاهرة مطلقا لا يتمّ بحسن العينين دون الأنف والفم والخدّ بل لا بدّ من حسن الجميع ليتمّ حسن الظاهر ، فكذلك في الباطن أربعة أركان لا بدّ من الحسن في جميعها حتّى يتمّ حسن الخلق ، فإذا استوت الأركان الأربعة واعتدلت وتناسبت حصل حسن الخلق وهي قوّة العلم وقوّة الغضب وقوّة الشهوة وقوّة العدل بين هذه القوى الثلاث ، أمّا قوّة العلم فحسنها وصلاحها في أن تصير بحيث يسهل لها درك الفرق بين الصدق والكذب في الأقوال وبين الحقّ والباطل في الاعتقادات وبين الجميل والقبيح في الأفعال فإذا تحصّلت هذه القوّة حصل منها ثمرة الحكمة والحكمة رأس الأخلاق الحسنة وهي الَّتي قال اللَّه تعالى فيها : « ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا » ( 1 ) وإمّا قوّة الغضب فحسنها في أن يقتصر انقباضها وانبساطها على حدّ ما تقتضيه الحكمة ، وكذلك الشهوة حسنها وصلاحها في أن تكون تحت إشارة الحكمة أعني إشارة العقل والدّين ، وأمّا قوّة العدل فهي في ضبط قوّة الغضب والشهوة تحت إشارة العقل والشرع ، فالعقل منزلته منزلة الناصح المشير وقوّة العقل هي القدرة ومنزلتها منزلة المنفذ الممضي لإشارة العقل ، والغضب هو الَّذي ينفد فيه الإشارة ، ومثال الغضب مثال كلب الصيد فإنّه يحتاج إلى أن يؤدّب حتّى يكون استرساله وتوقّفه بحسب الإشارة لا بحسب هيجان النفس ، والشهوة مثالها مثال الفرس الَّذي يركب في طلب الصيد فإنّه تارة يكون مروضا مؤدّبا وتارة يكون جموحا ، فمن استوت فيه هذه الصفات واعتدلت فهو حسن الخلق مطلقا ومن اعتدل فيه بعضها دون بعض فهو حسن الخلق بالإضافة إلى ذلك المعنى خاصّة كالَّذي يحسن بعض أجزاء وجهه دون بعض . وحسن القوّة الغضبيّة واعتدالها يعبّر عنها بالشجاعة وحسن قوّة الشهوة واعتدالها يعبّر عنه بالعفّة ، فإن مالت قوّة الغضب عن الاعتدال إلى طرف الزيادة

هامش
( 1 ) البقرة : 269 .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 96 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري