اليقظة لرأى نفسه ماثلا بين يدي خنزير ساجدا له مرّة وراكعا أخرى ومنتظرا لاشارته وأمره فمهما هاج الخنزير لطلب شيء من شهواته انبعث على الفور في خدمته وإحضار شهوته أو رأى نفسه ماثلا بين يدي كلب عقور عابدا له مطيعا سامعا لما يقتضيه ويلتمسه مدقّقا للفكر في حيل الوصول إلى طاعته وهو بذلك ساع في مسرّة شيطانه فإنّه الَّذي يهيّج الخنزير ويثير الكلب ويبعثهما على استخدامه فهو من هذا الوجه يعبد الشيطان بعبادتهما ، فليراقب كلّ عبد حركاته وسكناته وسكوته ونطقه وقيامه وقعوده ولينظر بعين البصيرة فلا يرى إن أنصف نفسه إلا ساعيا طول النّهار في عبادة هؤلاء ، وهذا غاية الظَّلم إذ جعل المالك مملوكا ، والرّبّ مربوبا ، والسيّد عبدا ، والقاهر مقهورا ، إذ العقل هو المستحقّ للسّيادة والقهر والاستيلاء ، وقد سخّره لخدمة هؤلاء الثلاثة ، فلا جرم ينتشر إلى قلبه من طاعته هؤلاء الثلاثة صفات تتراكم عليه حتّى يصير طبعا فيه ورينا مهلكا للقلب ومميتا له .
أمّا طاعة خنزير الشهوة فتصدر منها صفة الوقاحة والخبث والتبذير والتقتير والرياء والهتكة والمجانة والعبث والحرص والجشع والملق والحقد والحسد والشماتة وغيرها .
وأمّا طاعة كلب الغضب فتنتشر منها إلى القلب صفة التّهوّر والبذالة والبذخ والصلف والاستشاطة والتكبّر والعجب والاستهزاء والفخر والاستخفاف وتحقير الخلق وإرادة الشرّ وشهوة الظَّلم وغيرها .
وأمّا طاعة الشيطان بطاعة الشهوة والغضب ، فيحصل منها صفة المكر والخداع والحيلة والدّهاء والجربزة والتلبيس والتضريب والغشّ والخبّ والخنى وأمثالها ، ولو عكس الأمر وقهر الجميع تحت سياسة الصفة الرّبّانيّة لاستقرّ في القلب من الصّفات الرّبّانيّة العلم والحكمة واليقين والإحاطة بحقايق الأشياء ومعرفة الأمور على ما هي عليه والاستيلاء على ذلك كلَّه بقوّة العلم والبصيرة ، واستحقاق التقدّم على الخلق بكمال العلم وجلالته ، ولاستغنى عن عبادة الشهوة والغضب ولانتشر إليه من ضبط خنزير الشّهوة وردّه إلى حدّ الاعتدال صفات شريفة مثل العفّة
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 20
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٠