تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤

على ثلث البطن في حقّ الأكثرين ويكاد ينتهي إلى ثلثي البطن ويبقى ثلث للشراب ولا يبقى شيء للذكر وفي بعض الألفاظ « ثلث للذّكر » بدل قوله عليه السّلام : « ثلث للنفس » . الدرجة الرابعة أن يزيد على مقدار المدّ إلى المنّ ويشبه أن يكون ما وراء المنّ إسرافا مخالفا لقوله تعالى : « ولا تسرفوا » ( 1 ) أعني في حقّ الأكثرين فإنّ مقدار الحاجة إلى الطعام يختلف بالشخص والسنّ والعمل الَّذي يشتغل به ، وههنا طريق خامس ، لا تقدير فيه ، ولكنّه موضع غلط وهو أن يأكل إذا صدق جوعه ويقبض يده عن الطعام وهو على شهوة صادقة بعد ، ولكن الغالب أنّ من لم يقدر مع نفسه رغيفا أو رغيفين فإنّه لا يتبيّن له حدّ الجوع الصادق ويشتبه عليه ذلك بالشهوة الكاذبة . وقد ذكر للجوع الصّادق علامات إحداها أن لا يطلب النفس الإدام بل تأكل الخبز وحده بشهوة أيّ خبز كان فمهما طلبت نفسه خبزا بعينه أو طلبت آدما فليس ذلك بجوع ، وقيل : من علامته أن يبصق فلا يقع الذّباب عليه أي لا يبقى فيه دهنية ولا دسومة فيدلّ ذلك على خلوّ المعدة ، ومعرفة ذلك غامض فالصواب للمريد أن يقدر مع نفسه القدر الَّذي لا يضعفه عن العبادة الَّتي هو بصددها فإذا انتهى إليه وقف وإن بقيت شهوته . وعلى الجملة فتقدير الطعام لا يمكن لأنّه يختلف بالأحوال والأشخاص نعم قد كان قوت جماعة من الصحابة صاعا من حنطة في كلّ جمعة ، فإذا أكلوا التمر إقتاتوا منه صاعا ونصفا ، وصاع الحنطة أربعة أمداد فيكون في كلّ يوم قريبا من نصف مدّ وهو ما ذكرنا أنّه قدر ثلث البطن وفي التمر احتيج إلى زيادة لسقوط النوى منه ، وقد كان أبو ذرّ - رضي اللَّه عنه - يقول : طعامي في كلّ جمعة صاع من شعير على عهد رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم واللَّه لا أزيد عليه حتّى ألقاه ، فإنّي سمعته صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يقول : « أقربكم منّي مجلسا يوم القيامة وأحبّكم إليّ من مات على ما هو عليه اليوم » ( 2 ) وكان يقول في

هامش
( 1 ) الأعراف : 30 .
( 2 ) أخرجه أحمد في كتاب الزهد ومن طريقه أبو نعيم في الحلية دون قوله « وأحبكم إلى » وهو منقطع كما في المغني .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 164 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري