تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١

يسير ، والَّذي تعوّد الشبع صار بطنه غريما ملازما له يأخذ بمخنقه كلّ يوم فيقول : ما ذا تأكل اليوم فيحتاج إلى أن يدخل المداخل فيكتسب من الحرام فيعصي أو من الحلال فيذلّ ويتعب ، وربّما احتاج إلى أن يمدّ عين الطمع إلى الخلق وهو غاية الذّلّ ، والمؤمن خفيف المئونة . قال بعض الحكماء : إنّي لأقضي عامّة حوائجي بالترك فيكون ذلك أروح لنفسي . وقال آخر : إذا أردت أن أستقرض من غيري لشهوة أو زيادة استقرضت من نفسي فتركت الزيادة فهو خير غريم لي . وكان إبراهيم بن أدهم يسأل أصحابه عن الشيء من المأكول فيقال له : إنّه غال ، فيقول : أرخصوه بالترك . قال سهل : الأكول مذموم في ثلاث خصال : إن كان من أهل العبادة فيكسل ، وإن كان مكتسبا فلا يسلم من الآفات ، وإن كان ممّن يدخل عليه شيء فلا ينصف اللَّه من نفسه ، وبالجملة سبب هلاك الناس حرصهم على الدّنيا ، وسبب حرصهم البطن والفرج ، وسبب شهوة الفرج شهوة البطن وفي تقليل الأكل ما يحسم هذه الأبواب كلَّها وهي أبواب النار ، وفي حسمها فتح أبواب الجنّة ، كما قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « أديموا قرع باب الجنة بالجوع ( 1 ) » فمن قنع برغيف في كلّ يوم قنع في سائر الشهوات أيضا وصار حرّا واستغنى عن الناس واستراح من التعب وتخلَّى لعبادة اللَّه وتجارة الآخرة فيكون من الرّجال الَّذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللَّه ، فإنّه لا تلهيهم لاستغنائهم عنها بالقناعة فأمّا المحتاج فتلهيه لا محالة . الفائدة العاشرة أن يتمكَّن به من الإيثار والتصدّق بما فضل من الأطعمة على اليتامى والمساكين ويكون يوم القيامة في ظلّ صدقته كما جاء في الخبر ( 2 ) فما يأكله فخزانته الكنيف وما يتصدّق به فخزانته فضل اللَّه فليس للعبد من ماله إلا ما تصدّق

هامش
( 1 ) تقدم سابقا .
( 2 ) أخرجه الحاكم في المستدرك ج 1 ص 416 من حديث عقبة بن عامر .