حكي أنّ الرّشيد جمع أربعة أطبّاء هنديّا وروميّا وعراقيّا وسواديّا فقال : ليصف كلّ واحد منكم الدّواء الَّذي لأداء فيه ، فقال الهندي : الدّواء الَّذي لأداء فيه عندي الإهليلج الأسود ، وقال الرّومي : هو حبّ الرّشاد الأبيض ، وقال العراقيّ : هو الماء الحارّ ، وقال السوادي وكان أعلمهم : الإهليلج يعفص المعدة وهذا داء ، وحبّ الرّشاد يزلق المعدة وهذا داء ، والماء الحارّ يرخي المعدة وهذا داء ، قالوا : فما عندك ؟ قال : الدّواء الَّذي لا داء معه عندي أن لا تأكل طعاما حتى تشتهيه ، وأن ترفع يدك عنه وأنت تشتهيه ، فقالوا : صدقت . وذكر لبعض الفلاسفة من أطباء أهل الكتاب قول النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « ثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس » ( 1 ) فتعجّب منه ، وقال : ما سمعت كلاما في قلَّة الأكل أحكم من هذا وإنّه لكلام حكيم . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « البطنة أصل الدّاء والحمية أصل الدّواء وعوّدوا كلّ بدن ما اعتاد » ( 2 ) وأظن أنّ تعجّب الطبيب من هذا الخبر لا من ذلك . وقال ابن سالم : من أكل خبز الحنطة بحتا بأدب لم يعتلّ إلا علَّة الموت ، قيل له : وما الأدب ؟ قال : تأكل بعد الجوع وترفع قبل الشبع . وقال بعض أفاضل الأطباء في ذمّ الاستكثار من الأكل : إنّ أنفع ما أدخل الإنسان معدته الرّمّان ، وإنّ أضرّ ما أدخل معدته المالح ولأن يقلَّل من المالح خير له من أن يستكثر من الرّمّان . وفي الخبر المشهور « صوموا تصحّوا » ففي الصوم والجوع وقلَّة الأكل صحّة الأجسام من الأسقام وصحّة القلوب من سقم الطَّغيان والبطر وغيرهما . الفائدة التاسعة خفّة المئونة فإنّ من تعوّد قلَّة الأكل كفاه من المال قدر
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 160
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٦٠
هامش
( 1 ) قال العراقي : لم أجد له أصلا . أقول : نقله صاحب مكارم الأخلاق في باب آداب المريض ص 419 من حديث موسى بن جعفر عليهما السلام .
( 2 ) أخرجه ابن السني وأبو نعيم في الطب عن أبي هريرة . بسند حسن . كما في الجامع الصغير .