يحمل ميتا ليدفنه إذا وجده ضائعا ، وتعين عليه ذلك شرعا ، فجاء من أعانه عليه فإنّه يفرح به ولا يحسد معينه ، فالغافلون موتى والوعّاظ هم المنبّهون والمحيون لهم ففي كثرتهم استرواح وتناصر ، فينبغي أن يعظم الفرح بهم ، وهذا عزيز الوجود جدّا فينبغي أن يكون المريد على حذر منه فإنّه أعظم حبائل الشيطان في قطع الطريق على من انفتحت له أوائل الطريق فإنّ إيثار الحياة الدّنيا طبع غالب على الإنسان ولذلك قال اللَّه تعالى : « بل تؤثرون الحياة الدنيا » ( 1 ) ثمّ بيّن سبحانه أنّ الشرّ قديم في الطباع ، غالب على الإنسان وأنّ ذلك مذكور في الكتب السالفة فقال سبحانه : « إنّ هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى » ( 2 ) . فهذا منهاج رياضة المريدين وترتيبه في التدريج إلى لقاء اللَّه سبحانه أمّا تفصيل الرّياضة في كلّ صفة فسيأتي بيانه فإنّ أغلب الصفات على الإنسان بطنه وفرجه ولسانه أعني به الشهوات المتعلَّقة بها ، ثمّ الغضب الَّذي هو كالجند لحماية الشهوات ثمّ مهما أحبّ الإنسان شهوة البطن والفرج وأنس بها أحب الدّنيا ولم يتمكَّن منها إلا بالمال والجاه وإذا طلب المال والجاه حدث فيه العجب والكبر والرئاسة ، وإذا ظهر ذلك ولم تسمح نفسه بترك الدين رأسا تمسّك من الدين بما فيه الرئاسة وغلب عليه الغرور . فلهذا وجب علينا بعد تقديم هذين الكتابين أن نستكمل ربع المهلكات بثمانية كتب : كتاب في كسر شهوة البطن والفرج ، وكتاب في آفة اللَّسان ، وكتاب في كسر الغضب والحسد والحقد ، وكتاب في ذمّ الدنيا وتفصيل خدعها ، وكتاب في كسر حبّ المال وذمّ البخل ، وكتاب في ذمّ الرّياء وحبّ الجاه ، وكتاب في الكبر والعجب ، وكتاب في بيان مواقع الغرور . وبذكر هذه المهلكات وتعليم طرق المعالجة فيها يتمّ غرضنا من هذا الرّبع ربع المهلكات إن شاء اللَّه فإنّ ما ذكرناه في الكتاب الأوّل هو شرح لصفات القلب الَّذي هو معدن المهلكات والمنجيات ، وما ذكرناه في الكتاب الثاني هو إشارة كلَّيّة
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 142
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٤٢
هامش
( 1 ) الأعلى : 16 .
( 2 ) الأعلى : 18 و 19 .