تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥

والصلاة على محمّد عبده النبية ، ( 1 ) ورسوله الوجيه ، صلاة تزلفه وتحظيه ( 2 ) ، وترفع منزلته وتعليه ، وعلى الأبرار من عترته وأقربيه ، والأخيار من صحابته وتابعيه . أما بعد فأعظم المهلكات لابن آدم شهوة البطن ، فبها اخرج آدم عليه السّلام وحوّاء من دار القرار إلى دار الذّلّ والافتقار ، إذ نهيا عن أكل الشجرة فغلبتهما شهواتهما حتّى أكلا منها فبدت لهما سوآتهما ، والبطن على التحقيق ينبوع الشهوات ومنبت الأدواء والآفات ، إذ يتبعها شهوة الفرج وشدّة الشبق إلى المنكوحات ، ( 3 ) ثمّ تتبع شهوة المطعم والمنكح شدّة الرّغبة في المال والجاه اللَّذين هما الوسيلة إلى التوسّع في المطعومات والمنكوحات ، ثمّ يتبع استكثار المال والجاه أنواع الرّعونات وضروب المنافسات والمحاسدات ، ثمّ يتولَّد من ذلك آفة الرّياء وغائلة التفاخر والتكاثر والكبرياء ، ثمّ يتداعى ذلك إلى الحسد والحقد والعداوة والبغضاء ، ثمّ يفضي ذلك بصاحبه إلى اقتحام البغي والمنكر والفحشاء . وكلّ ذلك ثمرة إهمال المعدة وما يتولَّد منها من بطر الشبع والامتلاء ، ولو ذلَّل العبد نفسه بالجوع وضيّق به مجاري الشيطان لأذعنت لطاعة اللَّه ولم تسلك سبيل البطر والطغيان ولم ينجرّ به ذلك إلى الانهماك في الدّنيا وإيثار العاجلة على العقبى ولم يتكالب كلّ هذا التكالب على الدّنيا ( 4 ) . وإذا عظمت آفة شهوة البطن إلى هذا الحدّ وجب شرح غوائلها وآفاتها تحذيرا منها ، ووجب إيضاح طريق المجاهدة لها والتنبيه على فضلها ترغيبا فيها ،

هامش
( 1 ) أي الشريف ، وفي الصحاح نبه الرجل شرف واشتهر ، ينبه نباهة فهو نبيه ونابه وهو خلاف الخامل .
( 2 ) تزلفه أي تقربه ، وتحظيه أي جعله ذا حظوة ، وفي الصحاح رجل حظى إذا كان ذا حظوة ومنزلة .
( 3 ) الشبق : شدة شهوة الجماع .
( 4 ) تكالب القوم : تجاهروا بالعداوة ، وتكالبوا على كذا أي تواثبوا عليه ، وتكالب الناس على الدنيا أي اشتد حرصهم عليها .