فخرج من صفة العمى ومشاركة أهل الهوى وصار من مفاتيح أبواب الهدى ، ومغاليق أبواب الرّدى ، ( 1 ) قد أبصر طريقه ، وسلك سبيله ، وعرف مناره ، وقطع غماره ( 2 ) ، واستمسك من العرى بأوثقها ، ومن الحبال بأمتنها ، ( 3 ) ، فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس » . قال أبو حامد : فإذن منتهى الرّياضة أن يجد المريد قلبه مع اللَّه أبدا ، ولا يمكن ذلك إلا بأن يخلو عن غيره ولا يخلو عن غيره إلا بطول المجاهدة فإذا حصل قلبه مع اللَّه انكشف له جلال الحضرة الرّبوبية وتجلَّى له الحقّ ، وظهر له من لطائف رحمة اللَّه ما لا يجوز أن يوصف بل لا يحيط الوصف به أصلا وإذا انكشف للمريد شيء من ذلك ، فأعظم القواطع عليه أن يتكلَّم به وعظا أو نصحا أو يتصدّى للتذكير فيجد للنفس فيه لذّة ليس وراءها لذّة ، فتدعوه تلك اللَّذّة إلى أن يتفكَّر في كيفيّة إيراد تلك المعاني وتحسين الألفاظ المعبّرة عنها وترتيب ذكرها وتزيينها بالحكايات وشواهد القرآن والأخبار وتحسين صورة الكلام لتميل إليه القلوب والأسماع والشيطان ربما يخيّل إليه أنّ هذا منك إحياء لقلوب الموتى الغافلين عن اللَّه ، وإنّما أنت واسطة بين اللَّه وبين الخلق لدعوة عباده إليه ، ومالك فيه نصيب ، ولا لنفسك فيه لذّة ويتّضح كيد الشيطان بأن يظهر في أقرانه من يكون أحسن كلاما منه ، وأجزل لفظا ، وأقدر على جلب قلوب العوامّ ، فإنّه يتحرّك في باطنه عقرب الحسد لا محالة إن كان محرّكه لذّة القبول ، وإن كان محرّكه هو الحقّ حرصا على دعوة عباد اللَّه عزّ وجلّ إلى صراطه المستقيم فيعظم به فرحه ويقول : الحمد للَّه الَّذي عضدني وأيّدني بمن يوازرني على إصلاح عباده كالَّذي وجب عليه مثلا أن
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 141
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٤١
هامش
( 1 ) المغلاق - وزان المفتاح - ضده يعنى ما يغلق به الباب .
( 2 ) بكسر الغين جمع غمر بالفتح وهو معظم البحر والماء الكثير ، ولعل المراد بقطع الغمار خروجه عن فتن الدنيا ومضلاتها بسفن النجاة والهدايات خاصة . ( بهجة الحدائق ) .
( 3 ) لعل المراد بأوثقها الايمان وبأمتن الحبال اتباع أوامر اللَّه ومتابعة سبيل الهدى ( البهجة ) .