وظاهر الاعتقاد بطريق التقليد والاشتغال بأعمال الخير فإنّ الخطر في العدول عن ذلك كثير ولذلك يجب على الشيخ أن يتفرّس في المريد فإن لم يكن ذكيّا فطنا متمكَّنا من الاعتقاد الظاهر لم يشغله بالذّكر والفكر بل يردّه إلى الأعمال الظاهرة والأوراد المتواترة ، أو يشغله بخدمة المتجرّدين للفكر ليشمله بركتهم فإنّ العاجز على المجاهدة في صفّ القتال ينبغي أن يسقي القوم ويتعهّد دوابّهم ليحشر يوم القيامة في زمرتهم وتعمّه بركتهم ، وإن كان لا يبلغ درجتهم ، ثمّ المريد المتجرّد للذّكر والفكر قد يقطعه قواطع كثيرة من العجب والرّياء والفرح بما ينكشف له من الأحوال وما يبدو من أوائل الكرامات ، ومهما التفت إلى شيء من ذلك وشغلت به نفسه كان ذلك فتورا في طريقه ووقوفا ، بل ينبغي أن يلازم حاله جملة عمره ملازمة العطشان الَّذي لا ترويه البحار ولو أفيضت عليه ويدوم على ذلك ورأس ماله الانقطاع عن الخلق والخلوة ، قال بعض السياحين : قلت لبعض الأبدال المنقطعين عن الخلق : كيف الطريق إلى التحقيق قال : أن تكون في الدّنيا كأنّك عابر طريق ، وقال : قلت له مرّة أخرى : دلَّني على عمل أعمله أجد فيه قلبي مع اللَّه في كلّ وقت على الدّوام فقال لي : لا تنظر إلى الخلق فإنّ النظر إليهم ظلمة ، قلت : لابدّ لي منهم ، قال : فلا تسمع كلامهم فإنّ كلامهم قسوة ، قلت : لا بدّ لي من ذلك ، قال :
فلا تعاملهم فإنّ معاملتهم وحشة ، قلت : أنا بين أظهرهم ولا بدّ لي من معاملتهم ، قال : فلا تسكن إليهم فإنّ السكون إليهم هلكة ، قلت : هذا لعلَّه ، قال : يا هذا أتنظر إلى الغافلين وتسمع كلام الجاهلين وتعامل البطَّالين وتريد أن تجد قلبك مع اللَّه على الدّوام وهذا ممّا لا يكون أبدا [ 1 ] .
هامش
[ 1 ] لا يخفى أن أمثال هذه التعاليم ينجر إلى تعطيل الجمعة والجماعات والحج والتزاور والتواخي والاجتماعات والضيافات ، ويؤول إلى الانزواء عن الناس والاعتزال عنهم وترك المعاشرة معهم والمؤانسة بهم ، ومعلوم أن الاعتزال والانقطاع هما منبت النفاق ومغرس الوسواس والحرمان عن المشرب الأتم المحمدي صلَّى اللَّه عليه وآله والمقام المحمود الجمعي وموجب لترك كثير من الفضائل والخيرات وفوت السنن الشرعية .