مفتوحة إليه ، فيتجدّد في كلّ حالة أكثر ممّا ينقص ، فلابدّ من ضبط الحواسّ إلا عن قدر الضرورة وليس يتمّ ذلك إلا بالخلوة في مكان مظلم ، فإن لم يكن له مكان مظلم فليلفّ رأسه في جيبه أو يتدثّر بكساء أو إزار ، ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحقّ ويشاهد جمال الحضرة الرّبوبيّة ، أما ترى أنّ نداء رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بلغه وهو على هذه الصفة ، فقيل له : « يا أيّها المدَّثّر » « يا أيّها المزَّمّل » [ 1 ] فهذه الأربعة جنّة وحصن بها تدفع عنه القواطع وتمنع العوارض القاطعة للطريق ، فإذا فعل ذلك اشتغل بعده بسلوك الطريق وإنّما سلوكه بقطع العقبات ، ولا عقبة على طريق اللَّه إلا صفات القلب الَّتي سببها الالتفات إلى الدّنيا ، وبعض تلك العقبات أعظم من بعض ، والترتيب في قطعها أن يشتغل بالأسهل فالأسهل وهي - أعني تلك الصّفات - أسرار العلائق الَّتي قطعها في أوّل الإرادة وآثارها أعني آثار المال والجاه وحبّ الدّنيا والالتفات إلى الخلق والتشوّف إلى المعاصي فلا بدّ وأن يخلي الباطن عن آثارها كما أخلى الظَّاهر عن أسبابها الظاهرة وفيه تطول المجاهدة ويختلف ذلك باختلاف الأحوال فربّ شخص مكفي قد كفي أكثر الصّفات فلا يطول عليه المجاهدة ، وقد ذكرنا أنّ طريق المجاهدة هو مضادّة الشهوة ومخالفة الهوى في كلّ صفة غالبة على نفس المريد كما سبق ذكره وإذا كفي ذلك أو ضعف بالمجاهدة فلم يبق في قلبه علاقة تشغله بعد ذلك بذكر يلزم قلبه على الدّوام ويمنعه من تكثير الأوراد الظاهرة بل
هامش
[ 1 ] أخرج البخاري ج 6 ص 200 من حديث جابر بن عبد اللَّه عن النبي صلَّى اللَّه عليه وآله قال : « جاورت بحراء فلما قضيت حواري هبطت فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئا ، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا ، ونظرت أمامي فلم أر شيئا : ونظرت خلفي فلم أر شيئا ، فرفعت رأسي فرأيت شيئا ، فأتيت خديجة فقلت دثروني وصبوا على ماء باردا ، قال : فدثروني وصبوا على ماء باردا ، قال : فنزلت : يا أيها المدثر - الآيات - » . وفي بعض الروايات « فقلت : زملوني زملوني ، فزملوني - الحديث » .
أقول : من نظر في هذه الروايات وما ذكره المؤرخون والمفسرون في مبدء الوحي وشأن نزول هذه الآيات علم جدا أن النبي صلَّى اللَّه عليه وآله بعد مشاهدة تلك الآثار عرضت عليه حالة وحشة عجيبة ورهبة شديدة عالجها بالتزمّل والتدثّر ولم يجعل ذلك نوع رياضة لنفسه صلَّى اللَّه عليه وآله حتى يمكن أن يستدل بذلك على ما استدل به أبو حامد .