تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩

على الطريق قال اللَّه تعالى : « وجعلنا من بين أيديهم سدّا ومن خلفهم سدّا - الآية - » ( 1 ) والسدّ بين المريد والحقّ أربعة المال والجاه والتقليد والمعصية ، وإنّما يرتفع حجاب المال بأن يفرّقه ويخرجه عن ملكه حتّى لا يبقى له إلا قدر ضرورته ، فما دام يبقى له درهم يلتفت إليه قلبه فهو مقيّد به محجوب عن اللَّه تعالى ، وإنّما يرتفع حجاب الجاه بالبعد من موضع الجاه وبالتواضع وإيثار الخمول والهرب من أسباب الذكر وتعاطي أعمال تنفّر قلوب الخلق عنه ، وإنّما يرتفع حجاب التقليد بأن يترك التعصّب للمذاهب وأن يصدّق بمعنى قوله : « لا إله إلا اللَّه محمّد رسول اللَّه » تصديق إيمان ويخوض في تحقيق صدقه بأن يرفع كلّ معبود له سوى اللَّه ، وأعظم معبود له الهوى حتّى إذا فعل ذلك انكشف له حقيقة الأمر في معنى اعتقاده الَّذي تلقّفه تقليدا فينبغي أن يطلب كشف ذلك من المجاهدة لا من المجادلة ، فإن غلب عليه التعصّب لعقيدة ولم يبق في قلبه متّسع لغيرها صار ذلك قيدا له وحجابا إذ ليس من شرط المريد الانتماء إلى مذهب معيّن أصلا ( 2 ) . أقول : هذا إنّما يصحّ على مذاهب العامّة حيث يتعصّبون في الأصول للأشعري والمعتزليّ ونحوهما من أهل الآراء وفي الفروع لأبي حنيفة والشافعي وشبههما من أصحاب الأهواء ، وأمّا على مذهبنا الحقّ من وجوب التمسّك بحبل أهل البيت عليهم السّلام الَّذين هم مشايخنا وحصوننا فالانتماء إليهم شرط الاهتداء لأحكام الدّين والتعصّب لهم يزيد السالك في سلوكه يقينا إلى يقين . قال : وأمّا المعصية فهي حجاب ولا يرفعها إلا التوبة والخروج عن المظالم وتصميم العزم على ترك العود وتحقيق الندم على ما مضى وردّ المظالم وإرضاء الخصوم ، فإنّ من لم يصحّح التوبة ولم يهجر المعاصي الظاهرة ، وأراد أن يقف على أسرار الدّين بالمكاشفة كان كمن يريد أن يقف على أسرار القرآن وتفسيره وهو لا يعلم لغة العرب ، فإنّ ترجمة عربيّة القرآن لا بدّ من تقديمها أوّلا ، ثم الترقّي منها إلى أسرار معانيه ، فكذلك لا بدّ من تصحيح ظاهر الشريعة بامتثال

هامش
( 1 ) سورة يس : 10 .
( 2 ) الانتماء إلى الشئ : الانتساب إليه .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 129 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري