تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
* ( بيان شروط الإرادة ومقدمات المجاهدة وتدريج المريد في ) * * ( سلوك سبيل الإرادة ) * اعلم أنّ من شاهد الآخرة بقلبه مشاهدة يقين أصبح بالضرورة مريدا حرث الآخرة ، مشتاقا إليه ، سالكا سبيلها ، مستهينا بنعيم الدّنيا ولذّاتها فإنّ من كان معه خرزة فرأى جوهرة نفيسة لم يبق له رغبة في الخرزة ، وقويت إرادته في بيعها بالجوهرة ، فمن ليس مريدا حرث الآخرة ولا طالبا للقاء اللَّه فهو لعدم إيمانه باللَّه ورسوله واليوم الآخر ، ولست أعني بالإيمان حديث القلب وحركة اللَّسان بكلمتي الشهادة من غير صدق وإخلاص فإنّ ذلك يضاهي قول من صدّق بأنّ الجوهرة خير من الخرزة إلا أنّه لا يدري من الجوهرة إلا لفظها فأمّا حقيقتها فلا ، ومثل هذا المصدّق إذا ألف الخرزة قد لا يتركها ولا يعظم اشتياقه إلى الجوهرة فإذن المانع من الوصول عدم السلوك والمانع من السلوك عدم الإرادة والمانع من الإرادة عدم الإيمان وسبب عدم الايمان عدم الهداة المذكَّرين والعلماء باللَّه الهادين إلى طريقه والمنبّهين على حقارة الدّنيا وانقراضها وعظم أمر الآخرة ودوامها ، فالخلق غافلون قد انهمكوا في شهواتهم وغاصوا في رغدتهم ، وليس في علماء الدّين من ينبّههم ، فإن تنبّه منهم متنبّه عجز عن سلوك الطريق لجهله فإنّ طلب الطريق من العلماء وجدهم مائلين إلى الهوى عادلين عن نهج الطريق فصار ضعف الإرادة والجهل بالطريق ونطق العلماء بالهوى سببا لخلوّ طريق اللَّه عن السالكين ، ومهما كان المطلوب محجوبا والدليل مفقودا والهوى غالبا والطالب غافلا امتنع الوصول وتعطَّلت الطرق لا محالة ، فإن تنبّه متنبّه من نفسه أو من تنبيه غيره وانبعثت له إرادة في حرث الآخرة وتجارتها فينبغي أن يعلم أنّ له شروطا لا بدّ من تقديمها في بداية الإرادة وله معتصم لا بدّ من التمسّك به وله حصن لا بدّ من التحصّن به ليأمن الأعداء القطَّاع لطريقه وعليه وظائف لا بدّ من ملازمتها في وقت سلوك الطريق ، فأمّا الشروط الَّتي لابدّ من تقديمها في الإرادة فيرجع مجامعها إلى رفع السدّ والحجاب الَّذي بينه وبين الحقّ فإنّ حرمان الخلق عن الحقّ سببه تراكم الحجب ووقوع السدّ
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 128 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري