تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
لسانه شيء من ذلك فإنّه يسري لا محالة من القرناء السّوء ، وأصل تأديب الصّبيان الحفظ من القرناء السّوء ، وينبغي إذا ضربه المعلَّم أن لا يكثر الصّراخ والشغب ، ولا يستشنع بأحد بل يصبر ويذكر له أنّ ذلك دأب الشجعان والرّجال وأن كثرة الصراخ دأب المماليك والنسوان ، وينبغي أن يؤذّن له بعد الفراغ من المكتب أن يلعب لعبا جميلا يستريح إليه من تعب الأدب بحيث لا يتعب في اللَّعب فإنّ منع الصّبي من اللَّعب وإرهاقه إلى التعلَّم دائما يميت قلبه ويبطل ذكاءه وينغّص العيش عليه حتّى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأسا ، وينبغي أن يعلم طاعة والديه ومعلَّمه ومؤدّبه وكلّ من هو أكبر سنا منه من قريب وأجنبيّ وأن ينظر إليهم بعين الجلالة والتعظيم وأن يترك اللَّعب بين أيديهم ، ومهما بلغ سنّ التمييز ينبغي أن لا يسامح في ترك الطهارة والصلاة ويؤمر بالصوم في بعض الأيّام من شهر رمضان ويجنّب لبس الحرير والذّهب ويعلَّم كلّ ما يحتاج إليه من حدود الشرع ، ويخوّف من السرقة وأكل الحرام والكذب والخيانة والفحش ، وكلّ ما يغلب على الصبيان ، فإذا وقع نشوءه كذلك في الصبا فمهما قارب البلوغ أمكن أن يعرف أسرار هذه الأمور فيذكر له أنّ الأطعمة أدوية وإنّما المقصود منها أن يقوي الإنسان بها على عبادة اللَّه وأنّ الدّنيا كلَّها لا أصل لها إذ لا بقاء لها ، وأنّ الموت يقطع نعيمها ، وأنّها دار ممرّ لا دار مقرّ ، وأنّ الآخرة دار مقرّ لا دار ممرّ ، وأنّ الموت ينتظر في كلّ ساعة ، وأنّ الكيّس العاقل من تزوّد من الدنيا للآخرة حتّى تعظم عند اللَّه درجته ، ويتّسع في الجنان نعمته ، فإذا كان النشوء صالحا كان هذا الكلام عند البلوغ واقعا مؤثّرا ناجعا يثبت في قلبه كما يثبت النقش في الحجر وإن وقع النشوء بخلاف ذلك حتّى ألف الصبيّ اللَّعب والفحش والوقاحة وشره الطعام واللَّباس والتزيّن والتفاخر نبا قلبه عن قبول الحقّ نبوة الحائط عن التراب اليابس فأوائل الأمور هي الَّتي ينبغي أن تراعى فإنّ الصبيّ خلق بجوهره قابلا للخير والشرّ وإنّما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « كلّ مولود يولد على الفطرة وإنّما أبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه » ( 1 )
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ج 8 ص 52 من حديث أبي هريرة .