تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
أنّ النجاة في الحزن الدائم والتباعد من أسباب البطر والفرح ففطموها عن ملاذّها وعوّدوها الصبر عن شهواتها حلالها وحرامها وعلموا أنّ حلالها حساب وهو نوع عذاب فمن نوقش الحساب في عرصات القيامة فقد عذّب فخلَّصوا أنفسهم من عذابها وتوصّلوا إلى الحريّة والملك الدائم في الدّنيا والآخرة بالخلاص عن أسر الشهوات ورقّها ، والأنس بذكر اللَّه تعالى والاشتغال بطاعته ، وفعلوا بها ما يفعل بالبازي ، إذا قصد تأديبه ونقله عن تؤثّبه وتوحّشه إلى الانقياد والتأدّب ، فإنّه يحبس أوّلا في بيت مظلم ويحاط عيناه حتّى يحصل به الفطام عن الطيران في جوّ الهواء ، وينسي ما كان قد ألفه من طبع الاسترسال ، ثمّ يرفق به باللَّحم حتّى يأنس بصاحبه ويألفه ألفا إذا دعاه أجابه ، ومهما سمع صوته رجع إليه ، فكذلك النفس لا تألف ربّها ولا تأنس بذكره إلا إذا فطمت عن عاداتها بالخلوة والعزلة أوّلا لتحفّظ السمع والبصر عن المألوفات ، ثمّ عوّدت الثناء والذّكر والدّعاء ثانيا في الخلوة حتّى يغلب عليها الأنس بذكر اللَّه عوضا عن الأنس بالدّنيا وسائر الشهوات ، وذلك يثقل عليه في البداية ، ثمّ يتنعّم به في النهاية كالصبيّ يفطم عن الثدي وهو شديد عليه إذ كان لا يصبر عنه ساعة فلذلك يكثر بكاؤه وجزعه عند الفطام ، ويشتدّ نفوره عن الطعام الَّذي يقدم إليه بدلا عن اللَّبن ولكنّه إذا منع اللَّبن رأسا يوما فيوما وعظم تعبه في الصبر وغلبه الجوع تناول الطعام تكلَّفا ، ثمّ يصير طبعا له فلو ردّ إلى الثدي لم يرجع إليه فيهجر الثدي ويعاف اللَّبن ويألف الطعام ، وكذلك الدّابّة في الابتداء تنفر من السرج واللَّجام والرّكوب ولكن تحمل عليه قهرا وتمنع عن السرج الَّذي ألفته بالسلاسل والقيود أوّلا ثمّ تأنس به بحيث يترك في موضعها فيقف فيه من غير قيد ، فكذلك تؤدّب النفس كما تؤدّب الطيور والدّوابّ وتأديبها بأن تمنع عن البطر والأشر والفرح بنعيم الدّنيا ، بل بكلّ ما يزايلها بالموت فيقال لها : أحبي ما أحببت فإنّك مفارقه ، فإذا علم أنّه من أحبّ شيئا يلزمه فراقه فيشقى لا محالة لفراقه ، وشغل قلبه بحبّ ما لا يفارقه وهو ذكر اللَّه تعالى ، فإنّ ذلك يصحبه في القبر ولا يفارقه ، وكلّ ذلك يتمّ بالصبر أيّاما قلائل فالعمر
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 119 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري