جميعا لكنّ الدّنيا أغلب على قلبه فهذا يطول مقامه في النّار لكن يخرج منها لا محالة لقوّة ذكر اللَّه في قلبه وتمكَّنه من صميم فؤاده وإن كان ذكر الدّنيا أغلب عليه . وربّما يقول القائل : إنّ التنعّم بالمباح مباح فكيف يكون التنعّم سبب البعد من اللَّه تعالى ؟ فهذا خيال ضعيف بل حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة ، والمباح الخارج عن قدر الحاجة من الدّنيا أيضا ، وسيأتي ذلك في كتاب ذمّ الدّنيا فإذن لا يمكن إصلاح القلب لسلوك طريق اللَّه تعالى ما لم يمتنع النفس من التنعّم من المباح فإنّ النفس إذا لم تمنع بعض المباحات طمعت في المحظورات فمن أراد حفظ لسانه عن الغيبة والفضول فحقّه أن يلزمه السكوت إلا عن المهمّات حتّى تموت منه شهوة الكلام فلا يتكلَّم إلا بحقّ فيكون سكوته عبادة ، وكلامه عبادة ، ومهما اعتاد العين رمى البصر إلى كلّ شيء جميل لم تتحفّظ عن النظر إلى ما لا يحلّ ، وكذلك سائر الشهوات لأنّ الَّذي يشتهي به الحلال هو بعينه يشتهي به الحرام فالشهوة واحدة ، وقد وجب على العبد منعها عن الحرام وإن لم يتعوّد الاقتصار على قدر الضّرورة في الشهوات غلبته الشهوة . فهذه إحدى آفات المباحات ، ووراء هذه آفة أعظم من هذه وهو أنّ النّفس تفرح بالتنعّم بالدّنيا وتركن إليها وتطمئنّ بها أشرا وبطرا حتّى تصير ممتلية بها كالسكران الَّذي لا يفيق من سكر . وذلك لأنّ الفرح بالدّنيا سمّ قاتل يسري في العروق فيخرج من القلب الحزن والخوف وذكر الموت وأهوال القيامة وهذا هو موت القلب ، قال اللَّه تعالى : « وفرحوا بالحياة الدّنيا وما الحياة الدّنيا في الآخرة إلا متاع » ( 1 ) . وقال تعالى : « اعلموا أنّما الحياة الدّنيا لعب ولهو - إلى قوله - إلا متاع الغرور » ( 2 ) فأولو الحزم من أرباب القلوب جرّبوا قلوبهم في حالة الفرح بمؤاتاة الدّنيا فوجدوها قاسية بطرة بعيدة من التأثّر بذكر اللَّه تعالى واليوم الآخر ، وجرّبوها في حالة الحزن فوجدوها ليّنة رقيقة صافية قابلة لأثر الذكر فعلموا
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 118
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١١٨
هامش
( 1 ) الرعد : 26 .
( 2 ) الحديد : 20 .