فإذن قد عرفت أنّ الأخلاق الحسنة تارة تكون بالطبع والفطرة وتارة باعتياد الأفعال الجميلة وتارة بمشاهدة أرباب الأفعال الجميلة ومصاحبتهم وهم قرناء الخير وإخوان الصلاح إذ الطبع يسرق من الطبع الشرّ والخير جميعا ، فمن تظاهرت في حقّه الجهات الثلاث حتّى صار ذا فضيلة طبعا واعتيادا وتعلَّما فهو في غاية الفضيلة ، ومن كان رذلا بالطبع واتّفق له أقران السوء فتعلَّم منهم وتيسّرت له أسباب الشرّ حتّى تعوّدها فهو في غاية البعد من اللَّه تعالى ، وبين الرّتبتين من اختلف به هذه الجهات ، ولكلّ درجة في القرب والبعد بحسب ما تقتضيه صفته وحالته « فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره . ومن يعمل مثقال ذرّة شرّا يره » ( 1 ) ، « وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون » ( 2 ) . * ( بيان تفصيل الطريق إلى تهذيب الأخلاق ) * قد عرفت من قبل أنّ الاعتدال في الأخلاق هو صحّة النفس ، والميل عن الاعتدال سقم ومرض فيها كما أنّ الاعتدال في مزاج البدن هو صحّة له والميل عن الاعتدال مرض فيه فلنتّخذ البدن مثالا فنقول : مثال النفس في علاجها بمحو الرذائل والأخلاق الرديّة عنها وكسب الفضائل والأخلاق الجميلة لها وجلبها إليها مثال البدن في علاجه بمحو العلل عنه وكسب الصحّة له وجلبها إليه ، وكما أنّ الغالب على أصل المزاج الاعتدال ، وإنّما تعتري العلَّة المغيّرة بعوارض الأغذية والأهوية والأحوال ، فكذلك كلّ مولود يولد معتدلا صحيحا على الفطرة ، وإنّما أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه ، أي بالتعوّد والتعلَّم يكتسب الرّذائل ، وكما أنّ البدن في الابتداء لا يخلق كاملا ، وإنّما يكمل ويقوى بالنشوء والتربية بالغذاء ، فكذلك النفس يخلق ناقصة قابلة للكمال ، وإنّما تكمل بالتزكية وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم ، وكما أنّ البدن إن كان صحيحا فشأن الطبيب تمهيد القانون الحافظ للصحّة وإن كان مريضا فشأنه جلب الصحّة إليه فكذا النفس منك إن كانت زكيّة
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 108
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٠٨
هامش
( 1 ) الزلزال : 7 و 8 .
( 2 ) النحل : 33 .