فإذا لم يمكن ذلك في الدّنيا طلبنا ما هو الأشبه بعدم الوصفين وأبعد عن الطرفين وهو الوسط ، فإنّ الفاتر لا حارّ ولا بارد وهو وسط بينهما كأنّه خال عن الوصفين فكذلك السخاء بين التبذير والتقتير والشجاعة بين الجبن والتهوّر ، والعفّة بين الشره والخمود ، وكذلك سائر الأخلاق ، فكلا طرفي قصد الأمور ذميم فهذا هو المطلوب وهو ممكن جدّا ، نعم يجب على الشيخ المرشد للمريد أن يقبّح عنده الغضب رأسا ويذمّ إمساك المال رأسا ولا يرخّص له في شيء من ذلك لأنّه لو رخّص له في أدنى شيء منه اتّخذ ذلك عذرا في استيفاء بخله وغضبه ، وظنّ أنّه القدر المرخّص فيه فإذا قصد قلع الأصل وبالغ فيه لم يتيسّر له إلا كسر سورته بحيث يعود إلى الاعتدال ، فالصّواب له أن يطلب قلع الأصل حتّى يتيسّر له القدر المقصود ، ولا يكشف هذا السّر للمريد فإنّه موضع غرور الحمقى إذ يظنّ بنفسه أنّ غضبه بحقّ وأنّ إمساكه بحقّ .
* ( بيان السبب الذي به ينال حسن الخلق على الجملة ) *
قد عرفت أنّ حسن الخلق يرجع إلى اعتدال قوّة العقل بكمال الحكمة وإلى اعتدال قوّة الغضب والشهوة وكونهما مطيعين للعقل والشرع ، وهذا الاعتدال يحصل على وجهين أحدهما بجود إلهي وكمال فطريّ بحيث يخلق الإنسان ويولد كامل العقل ، حسن الخلق ، قد كفى سلطان الشهوة والغضب ، بل خلقتا معتدلتين منقادتين للعقل والشرع ، فيصير بغير معلَّم عالما وبغير مؤدّب متأدّبا كعيسى ويحيى عليهما السّلام وكذا سائر الأنبياء عليهم السّلام ، ولا يبعد أن يكون في الطبع والفطرة ما قد ينال بالاكتساب فربّ صبيّ يخلق صادق اللَّهجة سخيّا جريّا ، وربما يخلق بخلافه فيحصل ذلك فيه بالتعوّد ومخالطة المتخلَّقين بهذه الأخلاق ، وربما يحصل بالتعلَّم والوجه الثاني لاكتساب هذه الأخلاق المجاهدة والرياضة ، وأعني بها حمل النفس على الأعمال الَّتي يقتضيها الخلق المطلوب ومن أراد مثلا أن يحصل لنفسه خلق الجود فطريقه أن يتكلَّف تعاطى فعل الجواد وهو بذل المال فلا يزال يواظب عليه
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 103
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٠٣