منه ، وأخفّهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي » .
وقال الفضيل : إنّما يقاطع الناس بالتكلَّف يزور أحدهما أخاه فيتكلَّف له فيقطعه ذلك عنه .
وقال الجنيد : ما تواخى اثنان في اللَّه تعالى فاستوحش أحدهما من صاحبه أو احتشم إلا لعلَّة في أحدهما .
وقيل لبعضهم : من تصحب ؟ قال : من يرفع عنك ثقل التكلَّف ويسقط بينك وبينه مئونة التحفّظ .
وقال بعض الصوفيّة : لا تعاشر من الناس إلا من لا تزيد عنده ببرّ ولا تنقص عنده بإثم ، يكون ذلك لك وعليك وأنت عنده سواء ، وإنّما قال هذا لأنّ به يتخلَّص عن التكلَّف والتحفّظ وإلا فالطبع يحمله على أن يتحفّظ منه إذا علم أنّ ذلك ينقصه عنده .
وقال بعضهم : كن مع أبناء الدّنيا بالأدب ، ومع أبناء الآخرة بالعلم ، ومع العارفين كيف شئت ، وقال آخر : لا تصحب إلا من يتوب عنك إذا أذنبت ويعتذر إليك إذا أسأت ويحمل عنك مئونة نفسك ويكفيك مئونة نفسه ، وقائل هذا قد ضيّق طريق الأخوة على الناس وليس الأمر كذلك بل ينبغي أن يواخي كلّ متديّن عاقل ويعزم على أن يقوم بهذه الشروط ولا يكلَّف غيره هذه الشروط حتّى تكثر إخوانه إذ به يكون مواخيا في اللَّه ، وإلا كانت مواخاته لحظوظ نفسه فقطَّ ولذلك قال رجل للجنيد : قد عزّ الاخوان في هذا الزّمان أين أخ في اللَّه ؟ فأعرض الجنيد عنه حتّى أعاده ثلاثا فلمّا أكثر قال له : إن أردت أخا يكفيك مؤونتك ويحتمل أذاك فهذا لعمري قليل ، وإن أردت أخا في اللَّه تحمّل أنت مئونته وتصبر على أذاه فعندي جماعة أعرّفهم لك فسكت الرّجل .
واعلم أنّ الناس ثلاثة : رجل تنتفع بصحبته ، ورجل تقدر على أن تنفعه ولا تتضرّر به ولكن لا تنتفع به ، ورجل لا تقدر أيضا على أن تنفعه وهو الأحمق أو السيّئ الخلق فهذا الثالث ينبغي أن يجتنب ، فأمّا الثاني فلا تجتنبه لأنّك تنتفع في الآخرة بشفاعته وبدعائه وبثوابك على القيام به ، وقد أوحى اللَّه تعالى إلى موسى
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 345
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٤٥