فلذلك تكره صحبة طلاب الدنيا ، ويستحبّ صحبة الراغبين في الآخرة . قال عليّ عليه السّلام : « أحيوا الطباع بمجالسة من يستحيي منه » ( 1 ) . وقال لقمان : « يا بنيّ جالس العلماء فزاحمهم بركبتيك فإنّ القلوب تحيي بالحكمة كما تحيي الأرض الميتة بوابل المطر » ( 2 ) . أقول : وفي الكافي عن الصادق عن آبائه عليه السّلام قال : « قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ثلاثة مجالستهم تميت القلب : الجلوس مع الأنذال ، والحديث مع النساء ، والجلوس مع الأغنياء » ( 3 ) . قال أبو حامد : « وأمّا حسن الخلق فقد جمعه علقمة العطارديّ في وصيّته لابنه لمّا حضرته الوفاة قال : يا بنيّ إن عرضت لك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا خدمته صانك ، وإذا صحبته زانك ، وإن قعدت بك مئونة مانك ، اصحب من إذا مددت يدك بخير مدّها ، وإن رأى منك حسنة عدّها ، وإن رأى سيّئة سدّها ، اصحب من إذا سألته أعطاك ، إذا سكتّ ابتدأك ، وإذا نزلت بك نازلة واساك ، اصحب من إذا قلت صدّق قولك ، وإذا صلت شدّ صولك ، من لا تأتيك منه البوائق ، ولا يلتبس عليك منه الطرائق ، ولا يخذلك عند الحقائق ، وإن حاولتما أمرا آمرك وإن تنازعتما آثرك » وكأنّه جمع بهذا الكلام جميع حقوق الصحبة وشرط أن يكون قائما بجميعها . قال ابن أكثم : قال المأمون : فأين هذا ؟ فقيل له : أتدري لم أوصاه بذلك ؟ قال : لا ، قال : لأنّه أراد أن لا يصحب أحدا . وقال بعض الأدباء لا تصحب من الناس إلا من يكتم سرّك ، ويستر عليك عيبك ، ويكون معك في النوائب ، ويؤثرك في الرغائب ، وينشر حسنتك ، ويطوي سيّئتك ، فإن لم تجده فلا تصحب إلا نفسك .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 314
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣١٤
هامش
( 1 ) ما عثرت على أصل له .
( 2 ) رواه الفتال في روضة الواعظين مرسلا ص 15 باب ماهية العلوم .
( 3 ) المصدر ج 2 ص 641 .