والإعانة ، فهل يجب ذلك حتى يعصى اللَّه العبد بتركه ؟ فأقول : لا يدخل ذلك في ظاهر العلم تحت التكليف والإيجاب ، فإنّا نعلم أنّ الَّذين شربوا الخمر وتعاطوا الفواحش في زمان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم والصحابة ما كانوا يهجرون بالكلَّيّة بل كانوا منقسمين فيه إلى من يغلظ له في القول ويظهر البغض وإلى من يعرض عنه ولا يتعرّض به وإلى من ينظر إليه بعين الرّحمة ولا يؤثر المقاطعة والمباعدة ، فهذه دقائق دينيّة يختلف فيها طرق السالكين لطريق الآخرة ويكون عمل كلّ واحد على ما يقتضيه حاله ووقته ، ومقتضي الأحوال في هذه الأمور إمّا مكروهة وإمّا مندوبة فتكون في رتبة الفضائل ولا تنتهي إلى التحريم والإيجاب ، فإنّ الدّاخل تحت التكليف أصل المعرفة باللَّه وأصل الحبّ ، وذلك قد يتعدّى من المحبوب إلى غيره وإنّما المتعدّي إفراط الحبّ واستيلاؤه وذلك لا يدخل في الفتوى وتحت ظاهر التكليف في حقّ عوامّ الخلق أصلا .
* ( بيان مراتب الذين يبغضون في اللَّه وكيفية معاملتهم ) *
فإن قلت : إظهار البغض والعداوة بالفعل إن لم يكن واجبا فلا شكّ أنّه مندوب إليه والعصاة والفسّاق على مراتب مختلفة فكيف ينال الفضل بمعاملتهم وهل يسلك بجميعهم مسلكا واحدا أم لا ؟ فاعلم أنّ المخالف لأمر اللَّه سبحانه لا يخلو إمّا أن يكون مخالفا في عقده أو في عمله والمخالف في العقد إمّا مبتدع أو كافر ، والمبتدع إمّا داع إلى بدعته أو ساكت ، والساكت إمّا لعجزه أو باختياره .
فأقسام الفساد في الاعتقاد ثلاثة : الأوّل الكفر ، والكافر إن كان حربيّا فهو مستحقّ للقتل أو الاسترقاق ، وليس بعد هذين إهانة ، وأمّا الذمّي فإنّه لا يجوز إيذاؤه إلا بالإعراض عنه والتحقير له بالاضطرار إلى أضيق الطرق وبترك المفاتحة بالسلام فإذا قال : السلام عليك قلت : وعليك والأولى الكفّ عن مخالطته ومعاملته ومؤاكلته فأمّا الانبساط معه والاسترسال إليه كما يسترسل إلى الأصدقاء فهو مكروه كراهة شديدة يكاد ينتهي ما يقوى منها إلى حدّ التحريم قال اللَّه تعالى : « لا تجد قوما يؤمنون باللَّه واليوم الآخر يوادّون من حادّ اللَّه ورسوله ولو كانوا آباءهم
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 305
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٠٥