تحبّه لإسلامه وتبغضه لمعصيته وتكون معه على حالة لو قستها بحال كافر فاجر أدركت تفرقة بينهما وتلك التفرقة حبّ للإسلام وقضاء لحقّه ، وقدّر الجناية على حقّ اللَّه والطاعة له كالجناية على حقّك والطاعة لك ، فمن وافقك في غرض وخالفك في آخر فتكون معه على حالة متوسّطة بين الانقباض والاسترسال ، وبين الإقبال والإعراض ، وبين التودّد إليه والتوحّش عنه فلا تبالغ في إكرامه مبالغتك في إكرام من يوافقك في جميع أغراضك ولا تبالغ في إهانته مبالغتك في إهانة من خالفك في جميع أغراضك ، ثمّ ذلك التوسّط تارة يكون ميله إلى طرف الإهانة عند غلبة المخالفة وتارة إلى طرف المجاملة والإكرام عند غلبة الموافقة ، فهكذا ينبغي أن يكون فيمن يطيع اللَّه ويعصيه ويتعرّض لرضاه مرّة ولسخطه أخرى .
فإن قلت : فبما ذا يمكن إظهار البغض ؟ فأقول : أمّا في القول فبقطع اللَّسان عن مكالمته ومحادثته مرّة ، وبالاستخفاف والتغليظ في القول أخرى ، وأمّا في الفعل فبقطع السعي في إعانته مرّة وبالسعي في إساءته أخرى وإفساد مآربه أخرى وبعض هذا أشدّ من بعض وهو بحسب درجات الفسق والمعصية الصادرة منه ، أمّا ما يجري مجرى الهفوة الَّتي يعلم أنّه متندّم عليها ولا يصرّ فالأولى فيه الإغماض والستر ، أمّا ما يصرّ عليه من صغيرة أو كبيرة فإن كان ممّن تأكَّدت بينه وبينك مودّة وصحبة فله حكم آخر وسيأتي فيه خلاف بين العلماء وأمّا إذا لم تتأكَّد أخوّة وصحبة فلا بدّ من إظهار أثر البغض إمّا في الإعراض والتباعد عنه وقلَّة الالتفات إليه وإمّا في الاستخفاف وتغليظ القول عليه وهذا أشدّ من الإعراض وهذا بحسب غلظ المعصية وخفّتها وكذلك في الفعل أيضا رتبتان إحداهما قطع المعونة والرّفق والنصرة عنه وهو أقلّ الدّرجات والأخرى السعي في إفساد أغراضه عليه كفعل الأعداء المبغضين وهذا لا بدّ منه ولكن فيما يفسد عليه طريق المعصية أمّا ما لا يؤثّر فيه فلا ، مثاله رجل عصى اللَّه بشرب الخمر وقد خطب امرأة لو تيسّر له نكاحها لكان مغبوطا بها بالمال والجمال والجاه إلا أنّ ذلك لا يؤثّر في منعه من شرب الخمر ولا في بعث وتحريض عليه فإذا قدرت على إعانته ليتمّ له غرضه ومقصوده وقدرت على تشويشه ليفوته غرضه فليس لك السعي في
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 303
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٠٣