وجيرانه حتّى قال المجنون : أمرّ على الدّيار ديار ليلى * اقبّل ذا الجدار وذا الجدارا وما حبّ الدّيار شغفن قلبي * ولكن حبّ من سكن الدّيارا فإذن المشاهدة والتجربة تدلّ على أنّ الحبّ يتعدّى من ذات المحبوب إلى ما يحيط به ويتعلَّق بأشياء تناسبه ولو من بعد ولكن ذلك من خاصيّة فرط المحبّة فأصل المحبّة لا يكفي فيه ويكون اتّساع الحبّ في تعدّيه من المحبوب إلى ما يكتنفه ويحيط به ويتعلَّق بأسبابه بحسب إفراط المحبّة وقوّتها فكذلك حبّ اللَّه سبحانه إذا قوي وغلب على القلب واستولى عليه حتّى انتهى إلى حدّ الاستهتار فيتعدّى إلى كلّ موجود سواه ، فإنّ كلّ موجود سواه أثر من آثار قدرته ومن أحبّ إنسانا أحبّ خطَّه وصنعته وجميع أفعاله ، ولذلك كان صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم « إذا حمل إليه باكورة مسح بها عينه وأكرمها ، قال : إنّه قريب العهد بربّنا ( 1 ) » وحبّ اللَّه تعالى تارة يكون لصدق الرجاء في مواعيده وما يتوقّع في الآخرة من نعيمه ، وتارة لما ينيل من أياديه وصنوف نعمه ، وتارة لذاته لا لأمر آخر وهو أدقّ ضروب المحبّة وأعلاها وسيأتي تحقيقها في كتاب المحبّة من ربع المنجيات ، وكيفما اتّفقت محبّة اللَّه فإذا قويت تعدّت إلى كلّ متعلَّق به ضربا من التعلَّق حتّى تتعدّى إلى ما هو في نفسه مؤلم مكروه ، ولكن فرط الحبّ يضعف الإحساس بالألم والفرح بفعل المحبوب وقصده إيّاه بالإيلام يغمر إدراك الألم وذلك كالفرح بضربة من المحبوب أو قرصة فيها نوع معاتبة فإنّ قوّة المحبّة تنشر فرحا يغمر الألم فيه وقد انتهت محبّة اللَّه بقوم إلى أن قالوا : لا نفرّق بين البلاء والنعمة فإنّ الكلّ من اللَّه ، ولا نفرح إلا بما فيه رضاه حتّى قال بعضهم : لا أريد أن أنال مغفرة اللَّه بمعصيته . قال سمنون : وليس لي في سواك حظَّ * فكيفما شئت فاختبرني وسيأتي تحقيق ذلك في كتاب المحبّة ، والمقصود أنّ حبّ اللَّه إذا قوي أثمر
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 300
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٠٠
هامش
( 1 ) أخرجه الطبراني في الصغير من حديث ابن عباس ، وأبو داود في المراسيل والبيهقي في الدعوات من حديث أبي هريرة دون قوله : « وأكرمها الخ » وقال : انه غير محفوظ . ( المغني ) .