حبّ كلّ من يقوم بعبادة اللَّه في علم أو عمل وأثمر حبّ كلّ من فيه صفة مرضيّة عند اللَّه تعالى من حسن خلق أو تأدّب بأدب الشرع ، وما من مؤمن يحبّ الآخرة ويحبّ اللَّه تعالى إلا إذا أخبر عن حال رجلين أحدهما عالم عابد والآخر جاهل فاسق إلا وجد في نفسه ميلا إلى العالم العابد ، ثمّ يضعف ذلك الميل ويقوى بحسب ضعف إيمانه وقوّته ، وبحسب ضعف حبّه للَّه تعالى وقوّته وهذا الميل حاصل وإن كانا غائبين عنه بحيث يعلم أنّه لا يصيبه منهما خير ولا شرّ في الدنيا ولا الآخرة ، فذلك الميل هو حبّ في اللَّه وللَّه عزّ وجلّ من غير حظَّ فإنّه إنّما يحبّه لأنّ اللَّه يحبّه ولأنّه مرضيّ عند اللَّه ولأنّه يحبّ اللَّه ولأنّه مشغول بعبادة اللَّه إلا أنّه إذا ضعف لم يظهر أثره فلا يظهر به ثواب وأجر فإذا قوي حمل على الموالاة والنصرة والذّبّ في النفس والمال واللَّسان ويتفاوت الناس فيه بحسب تفاوتهم في حبّ اللَّه تعالى ولو كان الحبّ مقصورا على حظَّ ينال به من المحبوب في الحال أو المآل لما تصوّر حبّ الموتى من العلماء والعبّاد من الأنبياء والأولياء صلوات اللَّه عليهم وحبّ جميعهم مكنون في قلب كلّ مسلم متديّن ويتبيّن ذلك بغضبه عند طعن أعدائهم في واحد منهم وبفرحه عند الثناء عليهم وذكر محاسنهم وكلّ ذلك حبّ للَّه تعالى لأنّهم خواصّ عباد اللَّه ومن أحبّ ملكا أو شخصا جميلا أحبّ خواصّه وخدمه وأحبّ من أحبّه إلا أنّه يمتحن الحبّ بالمقابلة بحظوظ النفس وقد يغلب بحيث لا يبقى للنفس حظَّ إلا فيما هو حظَّ المحبوب وعنه عبّر قول من قال :
أريد وصاله ويريد هجري * فأترك ما أريد لما يريد
وقول من قال : « وما لجرح إذا أرضاكم ألم » وقد يكون الحبّ بحيث يترك به بعض الحظوظ دون بعض كمن تسمح نفسه بأن يشاطر محبوبه نصف ماله أو ثلثه أو عشره ، فمقادير الأموال موازين المحبّة إذ لا تعرف درجة المحبوب إلا بمحبوب يترك في مقابلته ، فمن استغرق الحبّ جميع قلبه لم يبق له محبوب سواه فلا يمسك لنفسه شيئا ، فحصل من هذا أنّ كلّ من أحبّ عالما أو عابدا أو أحبّ شخصا راغبا في علم أو عبادة أو في خير فإنّما أحبّه للَّه وفي اللَّه ، وله من الأجر والثواب بقدر قوّة حبّه ،
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 301
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٠١