بحيث لا يشتهيه ولا يستلذّه لو أكله فإنّ ذلك محال ولكن على معنى أنّه يزجره عقله عن الاقدام عليه وتحصل فيه كراهية للضّرر المتعلَّق به ، والمقصود من هذا أنّه لو أحبّ أستاذه لأنّه يواسيه ويعلَّمه أو تلميذه لأنّه يتعلَّم منه ويخدمه وأحدهما حظَّ لنفسه عاجل والآخر آجل فيكون من جملة المتحابّين في اللَّه ولكن بشرط واحد ، وهو أن يكون بحيث لو منعه العلم مثلا أو تعذّر عليه تحصيله منه لنقص حبّه بسببه فالقدر الَّذي ينقص بسبب فقده هو للَّه تعالى وله على ذلك القدر ثواب الحبّ في اللَّه تعالى وليس بمستنكر أن يشتدّ حبّك لإنسان لجملة أغراض ترتبط لك به ، فإن امتنع بعضها نقص حبّك وإن زاد ازداد الحبّ ، فليس حبّك للذّهب كحبّك للفضّة إذا تساوى مقدارهما لأنّ الذّهب يوصل إلى أغراض هي أكثر ممّا توصل إليه الفضّة فإذن يزيد الحبّ بزيادة الغرض ولا يستحيل اجتماع الأغراض الدّنيوية والأخرويّة فهو داخل في جملة الحبّ للَّه ، وحدّه أنّ كلّ حبّ لولا الإيمان باللَّه واليوم الآخر لم يتصوّر وجوده فهو حبّ في اللَّه وكذلك كلّ زيادة في الحبّ لولا الإيمان باللَّه لم تكن تلك الزيادة فتلك الزيادة من الحبّ في اللَّه فذلك وإن دقّ فهو عزيز ، قال الجريري : تعامل الناس في القرن الأوّل بالدّين حتّى رقّ الدّين ، وتعاملوا في القرن الثاني بالوفاء حتّى ذهب ، وفي الثالث بالمروّة حتّى ذهبت ، ولم يبق إلا الرغبة والرهبة .
القسم الرابع أن يحبّ للَّه وفي اللَّه لا لينال منه علما أو عملا أو يتوسّل به إلى أمر وراء ذاته وهذا أعلى الدّرجات وهو أدقّها وأغمضها ، وهذا القسم أيضا ممكن فإنّ من آثار غلبة الحبّ أن يتعدّى من المحبوب إلى كلّ من يتعلَّق بالمحبوب ويناسبه ولو من بعد ، فمن أحبّ إنسانا حبّا شديدا أحبّ محبّ ذلك الإنسان ، وأحبّ محبوبه ، وأحبّ من يخدمه ، وأحبّ من يثني عليه محبوبه ، وأحبّ من يتسارع إلى رضا محبوبه ، حتّى قال بقيّة بن الوليد : إنّ المؤمن إذا أحبّ المؤمن أحبّ كلبه ، وهو كما قال ويشهد له التجربة في أحوال العشّاق ويدلّ عليه أشعار الشعراء ولذلك يحفظ ثوب المحبوب ويخفيه تذكرة من جهته ويحبّ منزله ومحلَّته
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 299
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٩٩