وإمّا أن يكون هي الصورة الباطنة أعني كمال العقل وحسن الخلق ، ويتبع حسن الأخلاق حسن الأفعال لا محالة ، ويتبع كمال العقل غزارة العلم وكلّ ذلك مستحسن عند الطبع السليم والعقل المستقيم وكلّ مستحسن مستلذّ به ومحبوب بل في ائتلاف القلوب أمر أغمض من هذا فإنّه قد يستحكم المودّة بين شخصين من غير ملاحة في صورة وحسن في خلق وخلق ولكن لمناسبة باطنة توجب الألفة والموافقة فإنّ شبه الشيء ينجذب إليه بالطبع والأشباه الباطنة خفيّة ولها أسباب دقيقة ليس في قوّة البشر الاطَّلاع عليها وعنه عبّر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم حيث قال : « الأرواح جنود مجنّدة فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف » ( 1 ) . فالتناكر نتيجة التباين والائتلاف نتيجة التناسب الَّذي عبّر عنه صلَّى اللَّه عليه وآله بالتعارف . وفي بعض الألفاظ « تلتقي فتتشأم في الهواء » ( 2 ) وكنى بعض العلماء عن هذا بأن قال : إنّ اللَّه خلق الأرواح ففلق بعضها فلقا وأطافها حول العرش فأيّ روحين من فلقتين تعارفا هناك فالتقيا تواصلا في الدّنيا . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ أرواح المؤمنين لتلتقي على مسيرة يوم وما رأى أحدهم صاحبه قطَّ » ( 3 ) . وروي أنّ امرأة كانت بمكَّة تضحك النّاس وكانت بالمدينة أخرى فنزلت المكَّية على المدنيّة فدخلت على عائشة فأضحكتها فقالت : أين نزلت ؟ فأخبرتها فقالت : صدق اللَّه ورسوله سمعته صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم « يقول : الأرواح جنود مجنّدة - الحديث - » ( 4 ) .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 294
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٩٤
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ج 8 ص 40 من حديث أبي هريرة ، والطبراني في الكبير عن عبد اللَّه بن مسعود ورجاله رجال صحيح كما في مجمع الزوائد ج 8 ص 87 .
( 2 ) أخرجه الطبراني في الأوسط بسند ضعيف من حديث على كما في المغني .
( 3 ) أخرجه أحمد ج 2 ص 175 من حديث عبد اللَّه بن عمر .
( 4 ) رواه أبو يعلى من حديث عمرة بنت عبد الرحمن ورجاله رجال صحيح وفي كشف الخفاء ومزيل الالباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس اشباع الكلام على الحديث راجع مجمع الزوائد ج 8 ص 88 .