وعن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : « ما التقى مؤمنان قطَّ إلا كان أفضلهما أشدّهما حبّا لأخيه » ( 1 ) . وعنه عليه السّلام قال : « كلّ من لم يحبّ في الدّين ولم يبغض على الدّين فلا دين له » ( 2 ) . قال أبو حامد : * ( بيان معنى الأخوّة في اللَّه وتمييزها عن الأخوّة في الدنيا ) * اعلم أنّ الحبّ في اللَّه والبغض في اللَّه غامض وينكشف الغطاء عنه بما نذكره ، وهو أنّ الصحبة تنقسم إلى ما يقع بالاتّفاق كالصحبة بسبب الجوار وبسبب الاجتماع في المكتب أو المدرسة أو في السوق أو على باب السلطان أو في الأسفار ، وإلى ما ينشأ اختيارا وبقصد ، وهو الَّذي نريد بيانه إذ الأخوّة في الدّين واقعة في هذا القسم لا محالة إذ لا ثواب إلا على الأفعال الاختياريّة ولا ترغيب إلا فيها ، والصحبة عبارة عن المجالسة والمخالطة والمحاورة ، وهذه الأمور لا يقصد بها الإنسان غيره إلا إذا أحبّه ، فإنّ غير المحبوب يجتنب ويباعد ولا يقصد مخالطته ، والَّذي يحبّ فإمّا أن يحبّ لذاته ، لا ليتوصّل به إلى محبوب ومقصود وراءه ، وإمّا أن يحبّ ليتوصّل به إلى مقصود ، وذلك المقصود إمّا أن يكون مقصورا على الدنيا وحظوظها وإمّا أن يكون متعلَّقا بالآخرة ، وإمّا أن يكون متعلَّقا باللَّه تعالى ، فهذه أربعة أقسام . وأما القسم الأوّل وهو حبّك الإنسان لذاته وذلك ممكن ، وهو أن يكون هو في ذاته محبوبا عندك على معنى أنّك تلتذّ برؤيته ومعيّته ومشاهدة أخلاقه لاستحسانك له فإنّ كلّ جميل لذيذ في حقّ من أدرك جماله ، وكلّ لذيذ محبوب ، واللَّذّة يتبع الاستحسان ، والاستحسان يتبع المناسبة والملائمة والموافقة بين الطباع ، ثمّ ذلك المستحسن إمّا أن يكون هي الصورة الظاهرة أعني حسن الخلقة
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 293
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٩٣
هامش
( 1 ) الكافي ج 2 ص 127 تحت رقم 15 .
( 2 ) الكافي ج 2 ص 127 تحت رقم 15 .