فنقول : الَّذي نراه : أنّ تركه ورع وأنّ أخذه ليس بحرام ، لأنّ الأصل الحلّ ولا يدفع إلا بعلامات معيّنة كما في طين الشوارع ونظائره .
قال : فإن قيل : لا يجوز قياس الحلّ على النجاسة إذ كانوا يتوسّعون في أمور الطهارات ويتحرّزون من شبهات الحرام غاية التحرّز فكيف يقاس عليها ؟ قلنا : إن أريد به أنّهم صلَّوا مع النجاسة والصلاة معها معصية وهي عماد الدّين فبئس الظنّ ، بل يجب أن يعتقد فيهم أنّهم احترزوا عن كلّ نجاسة وجب اجتنابها وإنّما تسامحوا حيث لا يجب ممّا تعارض فيه الأصل والغالب ، ولم يستند الغالب إلى علامة يتعلَّق بعين ما فيه النظر ، وأمّا تورّعهم في الحلال كان بطريق التقوى وهو ترك مالا بأس به مخافة ما به بأس ، لأنّ أمر الأموال مخوف والنفس تميل إليها إن لم تضبط عنها وأمر الطهارة ليس كذلك فقد امتنع طائفة منهم عن الحلال المحض خيفة أن يشغل قلبه ، وهل حكي عن واحد أنّه احترز عن الوضوء بماء البحر وهو الطهور المحض فالافتراق في ذلك لا يقدح في الغرض الَّذي أجمعنا فيه .
المثار الثالث الشبهة الَّتي تتعلَّق وتتّصل بالسبب المحلَّل معصية إمّا في قرائنه أو في لواحقه أو في سوابقه أو في عوضه ، وكانت من المعاصي الَّتي لا توجب فساد العقد وإبطال السبب المحلَّل ، مثال المعصية في القرائن : البيع في وقت النداء يوم الجمعة والذّبح بالسكَّين المغصوب ، والاحتطاب بالفأس المغصوب ، والبيع على بيع الغير والسوم على سومه ، وكلّ نهي ورد في العقود ولم يدلّ على فساد العقد كان الامتناع من جميع ذلك ورعا وإن لم يكن المستفاد بهذه الأسباب محكوما بتحريمه وتسمية هذا النمط شبهة فيه تسامح لأنّ الشبهة في غالب الأمر تطلق لإرادة الاشتباه والجهل ولا اشتباه ههنا ، بل العصيان بالذّبح بسكَّين الغير معلوم وحلّ الذبيحة أيضا معلوم ولكن قد تشتقّ الشبهة من المشابهة ، وتناول الحاصل ببعض هذه الأمور مكروه والكراهة تشبه التحريم ، فإن أريد بالشبهة هذا فتسمية هذا شبهة له وجه وإلا فينبغي أن يسمّى هذه كراهة لا شبهة ، وإذا عرف المعنى فلا مشاحّة في الأسامي وهذه الكراهة لها درجات منها ما يقرب من الحرام والورع منه مهمّ في الدّين ومنها
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 227
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٢٧