قال : [ 1 ] « فهذه المناهي تدلّ على أنّه لا يجوز أن يلبّس على البايع والمشتري سعر الوقت ويكتم منه أمرا لو علمه لما أقدم على العقد ، ففعل هذا من الغشّ الحرام المضادّ للنصح الواجب .
وقد حكي عن رجل من التابعين أنّه كان بالبصرة وله غلام بالسوس [ 2 ] تجهّز إليه السكَّر فكتب إليه غلامه : أنّ قصب السكَّر قد أصابته آفة في هذه السنة فاشتر السكَّر فاشترى سكَّرا كثيرا فلمّا جاء وقته ربح فيه ثلاثين ألفا فانصرف إلى منزله فأفكر ليلته فقال : ربحت ثلاثين ألفا وخسرت نصح رجل من المسلمين ، فلمّا أصبح غدا إلى بايع السكَّر فدفع إليه ثلاثين ألفا فقال : بارك اللَّه لك فيها فقال : ومن أين صارت لي ؟ فقال : إنّي كتمتك حقيقة الحال وكان السكَّر قد غلا في ذلك الوقت فقال :
رحمك اللَّه قد أعلمتني الآن وقد طيّبتها لك قال : فرجع بها إلى منزله وتفكَّر وبات ساهرا وقال : ما نصحته لعلَّه استحيي منّي فتركها لي ، فبكَّر إليه من الغد وقال :
عافاك اللَّه خذ مالك إليك فهو أطيب لقلبي فأخذه منه ثلاثين ألفا .
فهذه الأخبار في المناهي والحكايات تدلّ على أنّه ليس له أن يغتنم فرصة وينتهز غفلة صاحب المتاع ويخفي من البايع غلاء السعر ومن المشتري تراجع الأسعار فإن فعل ذلك كان غاشّا تاركا للنصح والعدل للمسلمين ، ومهما باع مرابحة بأن يقول : بعت بما قام عليّ أو بما اشتريته فعليه أن يصدق ويجب أن يخبر بما حدث بعد العقد من عيب ونقصان ولو اشترى بأجل وجب ذكره ولو اشترى بمسامحة من صديقه أو ولده يجب ذكره لأنّ المعامل يعوّل على عادته في الاستقصاء أنّه لا يترك النظر لنفسه فإذا ترك بسبب من الأسباب فيجب إخباره إذ الاعتماد فيه على أمانته .
هامش
[ 1 ] يعنى أبا حامد .
[ 2 ] قال عبد المؤمن البغدادي في المراصد : الوسوس - بالضم ثم السكون وسين أخرى - : بلدة بخوزستان وجد فيها جسد دانيال فدفن في نهرها تحت الماء وغمر قبره وموضعه ظاهر يزار .