والعفو فيه أبعد والتشديد في أمر الميزان عظيم والخلاص منه يحصل بحبّة ونصف حبّة ، وفي قراءة ابن مسعود « لا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن باللَّسان ولا تخسروا الميزان » ( 1 ) أي لسان الميزان فإنّ النقصان والرّجحان يظهر بميله . وبالجملة كلّ من ينتصف لنفسه من غيره ولو في كلمة ولا ينصف من نفسه بمثل ما ينتصف فهو داخل في قوله تعالى : « ويل للمطفّفين - الآيات - » فإنّ تحريم ذلك في المكيل ليس لكونه مكيلا بل لكونه أمرا مقصودا بترك العدل والنصفة فيه فهو جار في جميع الأعمال فصاحب الميزان في خطر الويل ، وكلّ مكلَّف فهو صاحب موازين في أفعاله وأقواله وخطواته فالويل له إن عدل عن العدل ومال عن الاستقامة ولولا تعذّر هذا واستحالته لما ورد قوله تعالى : « وإن منكم إلا واردها كان على ربّك حتما مقضيّا ( 2 ) » فلا ينفكّ عبد عن الميل عن الاستقامة إلا أنّ درجات الميل تتفاوت تفاوتا عظيما فلذلك تتفاوت مدّة مقامهم في النّار إلى أوان الخلاص حتّى لا يبقى بعضهم إلا بقدر تحلَّة القسم ويبقى بعضهم ألفا وألوف سنين ، فنسأل اللَّه تعالى أن يقرّبنا من الاستقامة والعدل فإنّ الاشتداد على متن الصراط المستقيم من غير ميل غير مطموع فيه فإنّه أدقّ من الشعر وأحدّ من السيف ولو لاه لكان المستقيم عليه لا يقدر على جواز الصراط الممدود على متن النار الَّذي من صفته أنّه أدقّ من الشعر ، وأحدّ من السيف ، وبقدر الاستقامة على الصراط المستقيم يخفّ العبد يوم القيامة على الصراط ، وكلّ من خلط بالطعام ترابا ثمّ كاله فهو من المطفّفين في الكيل وكلّ قصّاب وزن مع اللَّحم عظما لم تجر العادة بمثله فهو من المطفّفين في الوزن وقس على هذا سائر التقديرات حتّى في الذّرع الَّذي يتعاطاه البزّاز فإنّه إذا اشترى أرسل الثوب في وقت الذّرع ولم يمدّه مدّا ، وإذا باعه مدّه في الذّرع ليظهر تفاوت في القدر ، فكلّ ذلك من التطفيف المعرّض صاحبه للويل » . أقول : وفي الكافي عن الصادق عليه السّلام قال : « لا يكون الوفاء حتّى يرجّح » ( 3 )
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 179
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٧٩
هامش
( 1 ) الرحمن : 8 و 9 .
( 2 ) مريم : 71 .
( 3 ) المصدر ج 5 ص 160 تحت رقم 5 .