تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦

رويناها في السؤال وذمّ ذلك يدلّ ظاهرا على أنّ التعفّف عن السؤال أولى وإطلاق القول فيه من غير ملاحظة الأحوال والأشخاص عسير بل هو موكول إلى اجتهاد العبد ونظره لنفسه بأن يقابل ما يلقى في السؤال من المذلَّة وهتك المروّة والحاجة إلى التثقيل والإلحاح بما يحصل من اشتغاله بالعلم والعمل من الفائدة له ولغيره ، فربّ شخص تكثر فائدة الخلق عنده وفائدته في اشتغاله بالعلم أو العمل ويهون عليه بأدنى تعريض في السؤال تحصيل الكفاية ، وربّما يكون بالعكس ، وربّما يتقابل المطلوب والمحذور فينبغي أن يستفتي المريد قلبه وإن أفتاه المفتون فإنّ الفتاوي لا تحيط بتفاصيل الصور ودقائق الأحوال فقد كان في السلف من له ثلاثمائة وستّون صديقا ينزل على كلّ واحد منهم ليلة ، ومنهم من له ثلاثون صديقا وكانوا يشتغلون بالعبادة لعلمهم بأن المتكفّلين بهم يتقلَّدون منّة من قبولهم لمبرّاتهم ، فكان قبولهم لمبرّاتهم خيرا مضافا لهم إلى عباداتهم فينبغي أن يدقّق النظر في هذه الأمور فإنّ أجر الآخذ كأجر المعطي مهما كان الآخذ يستعين به على أمر الدّين والمعطي يعطيه عن طيبة قلبه ، ومن اطَّلع على هذه المعاني أمكنه أن يتعرّف حال نفسه ويستوضح من قلبه ما هو الأفضل له بالإضافة إلى حاله ووقته واللَّه أعلم . أقول : « المستفاد من أخبار أهل البيت عليهم السّلام أفضليّة الكسب والتجارة مطلقا حتّى للمتعبّد وأهل العلم وذي الرئاسة كما دلّ عليه ما مرّ من خبر داود عليه السّلام وغيره . وفي الفقيه « عن الصادق عليه السّلام في قول اللَّه عزّ وجلّ « رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللَّه » قال : كانوا أصحاب تجارة فإذا حضرت الصلاة تركوا التجارة وانطلقوا إلى الصلاة وهم أعظم أجرا ممّن لا يتّجر » ( 1 ) . وعنه عليه السّلام أنّه قال : « ما فعل عمر بن مسلم ؟ قيل : أقبل على العبادة وترك التجارة ، فقال : ويحه أما علم أنّ تارك الطلب لا يستجاب له ، إنّ قوما من أصحاب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لمّا نزلت « ومن يتّق اللَّه يجعل له مخرجا . ويرزقه من حيث لا يحتسب » أغلقوا الأبواب وأقبلوا على العبادة وقالوا : قد كفينا ، فبلغ ذلك

هامش
( 1 ) المصدر ص 362 تحت رقم 4 باب التجارة وآدابها .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 146 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري