من تقدير وضع الكفّ على ظهر الكفّ ، فإنّ ذلك لا يقتضيه الطبع ، وأمّا أصابع الرجل فالأولى عندي إن لم يثبت فيه نقل أن يبدأ بخنصره اليمنى ثمّ يختم بخنصره اليسرى كما في التخليل [ 1 ] ، فإنّ المعاني الَّتي ذكرناها لا يتّجه ههنا إذ لا مسبّحة في الرجل وهذه الأصابع في حكم صفّ واحد ثابت على الأرض ، فيبدأ من جانب اليمين فإنّ تقديرها حلقة بوضع الأخمص على الأخمص يأباه الطبع بخلاف اليدين » .
أقول : وهذا هو الوجه في الرواية الثانية من طريقنا في اليد ، فإنّه لم ينظر فيها إلى المعاني المذكورة بل اكتفى بما يرى بالنظر الجليل [ 2 ] مع ترك اليد بطبعها ، وأمّا الرواية الأولى فلعلّ السرّ فيها تحصيل التيامن في كلّ أصبع أصبع ، بعد الأولى مع الترتيب فيها ووضع اليدين على ما يقتضيه الطبع . قال أبو حامد : « وهذه الدّقائق في الترتيب تنكشف بنور النبوّة في لحظة واحدة وإنّما يطول التعب علينا ثمّ لو سئلنا ابتداء ربّما لم يخطر لنا ، وإذا ذكر لنا فعله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وترتيبه ربّما يتيسّر لنا بإعانته صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - بشهادة الحكم وتنبيهه على المعنى - استنباط المعنى ، ولا تظنّنّ أنّ أفعاله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في جميع حركاته كانت خارجة عن وزن وقانون وترتيب ، بل جميع الأمور الاختياريّة الَّتي يتردّد فيها الفاعل بين قسمين أو أقسام كان لا يقدم على واحد معيّن بالاتّفاق ، بل بمعنى يقتضي الإقدام والتقديم ، فإنّ الاسترسال مهملا كما يتّفق سجيّة البهائم . وضبط الحركات بموازين المعاني سجيّة أولياء اللَّه تعالى ، وكلَّما كانت حركات الإنسان وخطراته إلى الضبط أقرب ، وعن الإهمال وتركه سدى أبعد ، كان قربه إلى رتبة الأنبياء والأولياء أكثر ، وكان قربه من اللَّه أظهر إذا القريب من النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - وهو قريب من اللَّه - لا بدّ وأن يكون قريبا فالقريب من القريب قريب بالإضافة إلى غيره ، فنعوذ باللَّه أن يكون زمام حركاتنا وسكناتنا في يد الشيطان بواسطة الهوى ، واعتبر في ضبط الحركات باكتحاله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فإنّه كان يكتحل في عينه اليمنى ثلاثا وفي اليسرى اثنين [ 3 ] فبدايته باليمنى لشرفها
هامش
[ 1 ] أشار إلى ما قاله في غسل الرجلين في الوضوء على مذهبه .
[ 2 ] كذا .
[ 3 ] ومجمع الزوائد ج 5 ص 95 . وفي الكافي ج 6 ص 495 رقم 12 « كان صلَّى اللَّه عليه وآله يكتحل قبل أن ينام أربعا في اليمنى وثلاثا في اليسرى » .