وقال عليه السّلام : « أوحى اللَّه إلى داود عليه السّلام لا تجعل بيني وبينك عالما مفتونا بالدنيا فيصدّك عن طريق محبّتي فإنّ أولئك قطَّاع طريق عبادي المريدين ، إنّ أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة مناجاتي عن قلوبهم » ( 1 ) . وعنه عليه السّلام قال : « قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا ، قيل : يا رسول اللَّه وما دخولهم في الدنيا ؟ قال : اتّباع السلطان فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم » ( 2 ) . وعنه عليه السّلام قال : « طلبة العلم ثلاثة فأعرفهم بأعيانهم [ 1 ] وصفاتهم : صنف يطلبه للجهل والمراء وصنف يطلبه للاستطالة والخطل ، وصنف يطلبه للفقه والعقل ، فصاحب الجهل والمراء مؤذ مما متعرّض للمقال في أندية الرجال [ 2 ] بتذاكر العلم وصفة الحلم قد تسربل بالخشوع وتخلَّى من الورع [ 3 ] فدقّ اللَّه من هذا خيشومه وقطع منه حيزومه [ 4 ] وصاحب الاستطالة والختل ذو خبّ وملق [ 5 ] يستطيل على مثله من أشباهه ويتواضع للأغنياء من دونه ، فهو لحلوائهم هاضم ولدينه حاطم ، فأعمى اللَّه على هذا خبره وقطع من آثار العلماء أثره ، وصاحب الفقه والعقل ذو كآبة وحزن وسهر قد تحنّك في برنسه وقام اللَّيل في حندسه [ 6 ] يعمل ويخشى وجلا داعيا مشفقا مقبلا على شأنه ، عارفا بأهل
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 128
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٢٨
هامش
( 1 ) المجلد الأول ص 46 تحت رقم 4 ، وأخرجه ابن عبد البر في العلم كما في المختصر ص 92 .
( 2 ) المجلد الأول ص 46 تحت رقم 5 .
[ 1 ] أي باقسامهم .
[ 2 ] الأندية : المجلس .
[ 3 ] تسربل أي لبس السربال وفي الأمالي « بالتخشع » والتخشع تكلف الخشوع و « تخلى » أي خلى جدا .
[ 4 ] الحيزوم ما استدار بالظهر والبطن أو ضلع الفؤاد أو ما اكتنف بالحلقوم من جانب الصدر ، والخيشوم : أقصى الأنف وهما كنايتان اما عن إذلاله أو كنايتان عن قطع حياته والثاني أقرب .
[ 5 ] الخب - بالكسر - الخدعة .
[ 6 ] كآبة - بالتحريك والمد والتسكين - : سوء الحال والانكسار من شدة الحزن وقوله عليه السّلام : « تحنك في برنسه » أي تعمد للعبادة وتوجه إليها وصار في ناحيتها وتجنب الناس وصار في ناحية منهم ، وتبرنس الرجل إذا لبس البرنس . و « قام الليل في حندسه » أي في ظلامه ، والحندس - بكسر الحاء - الظلمة .