تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الأصول — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
من المسامحة في أدلة السنن والكراهة وبأنه لو وجب المضايقة فيها لضاق الوقت عن تحصيل معظم الأحكام الشرعية بالاجتهاد فتأمل على أنه يمكن دعوى عدم التخصيص بأن يقال ما ذكروه من الشرائط إنما هو للعمل بالخبر ومعلوم أن المسامح في أدلة السنن لا يعمل بالخبر الضعيف بل بما يدل على جواز التسامح فتأمل ومنها أن الإتيان بالفعل الذي دلت الرواية المفروضة على استحبابه وترك الفعل الذي دلت الرواية المفروضة على كراهته احتياط فيكون مستحبا وراجحا أما الأول فلأن الاحتياط عبارة عن الأخذ بالأوثق والإقدام على ما لا يحتمل فيه إلا المنفعة ومحل البحث منه قطعا لا يقال لا نسلم كون ذلك احتياطا لما عرفت من منع بعض الأصحاب عن استحبابه فكما أن الاحتياط يقتضي الإقدام عليه كذلك بقصد التعبد مضافا إلى احتمال كون الإتيان به بقصد القربة تشريعا محرما وإلى ما اشتهر بين متأخري الأصحاب من توقف استحقاق الثواب على نية الوجه ومعلوميته عند المكلف وعدم جواز الترديد في النية وإلى أن الفعل المزبور كما يحتمل رجحانه وترتب الثواب عليه كذا يحتمل مرجوحيته وقبحه وأصالة الإباحة غايتها الرخصة في العمل لا رفع قبحه بحسب الواقع وقد أشار الفاضل البهائي إلى ما ذكر فقال وعلى من تمسك بدليل الاحتياط وفيه نظر لأن احتمال الحرمة في هذا الفعل الذي تضمن الحديث الضعيف استحبابه حاصل كلما فعله المكلف لرجاء الثواب لأنه لا يعتد به شرعا ولا يصير منشأ لاستحقاق الثواب إلا إذا فعله المكلف بقصد القربة ولاحظ رجحان فعله شرعا فإن الأعمال بالنيات وفعله على هذا الوجه مردد بين كونه سنة ورد الحديث بها في الجملة وبين كونه تشريعا وإدخالا لما ليس من الدين فيه ولا ريب أن ترك السنة أولى من الوقوع في البدعة ليس الفعل المذكورة دائرا في وقت من الأوقات بين الإباحة والاستحباب ولا بين الكراهة والإباحة فتاركه متيقن السلامة وفاعله متعرض للندامة على أن قولنا بدورانه بين الحرمة والاستحباب إنما هو على سبيل المماشاة وإرخاء العنان وإلا فالقول بالحرمة من غير ترديد ليس من السداد ببعيد والتأمل الصادق على ذلك شهيد انتهى لأنا نقول الوجوه المذكورة لا تمنع من كون ما ذكرناه احتياطا أما الأول فلأن المانع من الاستحباب لم يحكم بالحرمة وإنما غاية كلامه نفي الحكم بالاستحباب باعتبار عدم الدليل وحيث كان الاستحباب محتملا وكان الأمر دائرا بينه وبين الإباحة فكان الإتيان به مأمون الضرر وتركه محتملا لتفويت المنفعة فكان الإتيان به احتياطا وأما الثاني فللمنع من صدق التشريع في محل البحث لأنه عبارة عن إدخال ما يعلم أنه ليس من الدين فيه عمدا ومن المعلوم أن المفروض ليس كذلك ولو كان تشريعا للزم أن لا يتحقق احتياط في العبادات باعتبار الجهل بالحكم الشرعي والتالي باطل بالظاهر وبالإجماع وأما الثالث فللمنع منه بل التحقيق أن نية الوجه غير لازمة سلمنا ولكنها إنما تلزم حيث يتعين الوجه وأما مع الشك كما في محل البحث فلا سلمنا ولكن بعد تسليم كون المفروض احتياطا مستحبا يتعين الوجه ولا يكون ترديدا في النية لأن المكلف إنما يقصد امتثال الأمر بالاحتياط المعلوم لا الأمر بالفعل الغير المعلوم كما لا يخفى وأما الرابع فلأن محل البحث انتفاء احتمال المرجوحية باعتبار العلم به وبالجملة إنكار صدق الاحتياط في محل البحث غير صحيح ولذا قد تمسك جدي رحمه الله بقاعدة الاحتياط على هذا القول وتمسك بها أيضا بعض العامة فقال بعد نقل الإشكال في استحباب العمل بالخبر الضعيف في فضائل الأعمال إذا وجد حديث ضعيف في فضيلة عمل من الأعمال ولم يكن هذا العمل مما يحتمل الكراهة والحرمة فإنه يجوز العمل به ويستحب لأنه مأمون الخطر ومرجو النفع إذ هو دائر بين الإباحة والاستحباب والاحتياط العمل به ويستحب رجاء الثواب ثم قال لا يقال الحديث الضعيف لا يثبت به شيء من الأحكام الخمسة وانتفاء احتمال الحرمة يستلزم ثبوت الإباحة والإباحة حكم شرعي فلا يثبت بالحديث الضعيف وحاصل الجواب أن الجواز معلوم من الخارج والاستحباب معلوم من القواعد الشرعية الدالة على استحباب الاحتياط في أمر الدين فلم يثبت شيء من الأحكام من الحديث الضعيف بل أوقع الضعف شبهة الاستحباب فصار الاحتياط أن يعمل به واستحباب الاحتياط معلوم من قواعد الشرع وأما الثاني فلوجوه الأول إطلاق الأخبار منها النبوي المرسل دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ومنها خبر القسم الجعفري عن الرضا عليه السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام قال لكميل بن زياد أخوك دينك احتط لدينك بما شئت ومنها خبر عنوان البصري عن الصادق عليه السلام خذ الاحتياط في جميع أمورك ما تجد إليه سبيلا ومنها المرسل عن الصادق عليه السلام لك أن تنظر الجزم وتأخذ الحائطة لدينك لا يقال هذه الأخبار ضعيفة السند فلا يجوز الاعتماد عليها في إثبات حكم يخالف الأصل لأنا نقول ضعف السند هنا غير قادح لانجباره بالشهرة العظيمة التي لا يبعد معها دعوى شذوذ المخالف لو كان ولا يقال مقتضى إطلاق الأخبار المذكورة وجوب الاحتياط في جميع موارده وهو خلاف الإجماع فيجب تقييده بالموارد التي يمكن المصير إلى القول بوجوب الاحتياط فيها ومن المقطوع به أن محل البحث ليس منها وحينئذ لا يجوز التمسك به فيه إلا أن يحمل الأمر في الأخبار المذكورة على مطلق الرجحان أو على الاستحباب ولكنهما مجازان والتقييد أولى منه لأنا نقول المجاز وإن كان مرجوحا بالنسبة إلى التقييد بمقتضى القاعدة ولكنه هنا أولى لاستلزام التقييد هنا خروج أكثر الأفراد و
مفاتيح الأصول — صفحة 346 | السيد محمد الطباطبائي الكربلائي