على خبره فأما إذا لم يكن كذلك ويكون ممن يرسل عن ثقة وغير ثقة فإنه يقدم خبر غيره عليه وإذا انفرد وجب التوقف في خبره إلا أن يدل دليل على وجوب العمل به فأما إذا انفردت المراسيل فيجوز العمل بها على الوجه الذي ذكرناه
الثامن عشر
قال الشهيد الثاني في الدراية وطريق ما يعلم به الإرسال في الحديث أمران جلي وخفي فالأول بعدم التلافي بين الراوي والمروي عنه إما لكونه لم يدرك عصره أو أدركه لكن لم يجمعها وليست له منه إجازة ولا وجادة ومن ثم احتيج إلى التاريخ لتضمنه تحرير مواليد الرواة ووفاتهم وأوقات طلبهم عنه بصفة يحتمل اللقاء وعدمه ومع عدم اللقاء كعن فلان وقال له من فلان كذا فإنهما وإن استعملا في حاله يكون قد حدثه يحتملان كونه حدث غيره فإذا ظهر بالتثبت كونه غير راو عنه يبين الإرسال وهو ضرب من التدليس انتهى
مفتاح
إذا وردت رواية ضعيفة غير جامعة للشرائط التي ذكروها في حجية خبر الواحد ولا صالحة لإثبات وجوب ولا حرمة وكانت دالة على استحباب فعل أو كراهته ولم يكن هناك احتمال حرمته ولا وجوبه وكان الأمر دائرا بين أحد الأمرين والإباحة فهل يجوز الحكم بها بمجرد تلك الرواية يعلم بكذبها وكونها موضوعة فيجوز التسامح في أدلة السنن والكراهة أو لا بل يشترط في إثباتهما ما يشترط في إثبات الواجبات والمحرمات اختلف الأصحاب في ذلك على قولين الأول أنه لا يجوز إثبات الاستحباب والكراهة بمجرد الرواية المفروضة وهو لموضعين من المنتهى وموضع من المدارك فقالا إن الاستحباب حكم شرعي فيتوقف على الدليل الشرعي كسائر الأحكام الشرعية وزاد الثاني فقال وما قيل من أن أدلة السنن يتسامح فيها بما لا يتسامح في غيرها فمنظور فيه الثاني أنه يجوز ذلك وهو للشهيدين في الذكرى والدراية وابن فهد في عدة الداعي والمحقق الخوانساري في المشارق والفاضل الخراساني في الذخيرة والفاضل البهائي في الوجيزة والأربعين وجدي ووالدي العلامة للأولين الأصل والعمومات المانعة من العمل بغير العلم وما دل على الشرائط التي ذكروها لخبر الواحد من نحو قوله تعالى إن جاءكم فاسق إلى آخره ويندفع جميع الوجوه المذكورة بما سيأتي من الدليل على جواز التسامح فالمستند في الحكم بالاستحباب والكراهة هو هذا الدليل لا الرواية المفروضة كما صرح به في المشارق فقال أورد عليه أن الاستحباب أيضا حكم شرعي كالوجوب فلا وجه للفرق بينهما وأجيب بأن الحكم بالاستحباب فيما ضعف مستنده ليس في الحقيقة بذلك المستند بل بما رواه ثقة الإسلام ثم نقل الروايات الآتية وأشار إلى هذا الجواب الفاضل البهائي في الوجيزة والأربعين وللآخرين وجوه أيضا منها ظهور كلام جماعة في دعوى الإجماع والشهرة على ما صاروا إليه ففي عدة الداعي بعد نقل الروايات التي يأتي إليها الإشارة إن شاء الله فصار هذا المعنى مجمعا عليه بين الفريقين وفي الذكرى أحاديث الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم وفي المشارق قد اشتهر بين العلماء أن الاستحباب إنما يكتفي فيه بالأدلة الضعيفة ثم قال في جملة كلام له لكن اشتهار العمل بهذه الطريقة بين الأصحاب
من غير نكير ظاهر بل بين العامة يجرئ النفس ويشجعها عليه لعل الله تعالى يقبل عذرها وفي كتاب الرعاية للشهيد الثاني جوز الأكثر العمل بالخبر الضعيف في نحو القصص والمواعظ وفضائل الأعمال لا في صفات الله وأحكام الحلال والحرام وهو حسن حيث لا يبلغ الضعف حد الوضع والاختلاف لما اشتهر بين العلماء المحققين من التساهل في أدلة السنن وليس في المواعظ والقصص غير فحص الخبر وفي الوجيزة للبهائي قد شاع العمل بالضعاف في أدلة السنن وإن اشتد ضعفها ولم ينجبر ثم قال وأما نحن معاشر الخاصة فالعمل عندنا ليس بها في الحقيقة بل بحسبه من سمع إلى آخره وهي ما تفردنا بروايته وفي الأربعين له بعد نقل بعض الروايات هذا هو سبب تساهل فقهائنا في البحث عن دلائل السنن وفي الوسائل هذه الأحاديث سبب تسامح الأصحاب وغيرهم في الاستدلال على الاستحباب والكراهة بعد ثبوت أصل المشروعية وفي كلام بعض الأجلة العلماء المحققون يتساهلون كثيرا في أدلة السنن انتهى لا يقال نمنع من كونه اتفاقية لما عرفت من وجود الخلاف بل يمكن دعوى اتفاق أكثر الأصوليين عليه حيث أنهم لم يصرحوا بجواز التسامح واعتبروا شروطا معلومة في خبر الواحد على الإطلاق من غير تفصيل بين الأحكام الخمسة ولو كان هناك تفصيل وجواز تسامح في أدلة الاستحباب والكراهة لنبهوا عليه لداعي الحجة الضرورية إليه ولو سلم شهرة القول بجواز التسامح فنقول الشهرة ليست بحجة هذا وقد حكي عن بعض الفضلاء أنه أول القول بالتسامح بأن المراد أنه إذا ورد حديث معتبر في استحباب عمل وورد حديث ضعيف في أن ثوابه كذا وكذا جاز العمل بذلك الحديث والحكم يترتب ذلك الثواب على ذلك الفعل قال وليس هذا الحكم أحد الأحكام الخمسة التي لا تثبت بالأحاديث الضعيفة وعن آخر تأويله بأن المراد أنه إذا دل حديث صحيح وضعيف على استحباب عمل جاز للمكلف حال العمل ملاحظة دلالة الضعيف أيضا فيكون عاملا به في الجملة لأنا نقول المناقشة المذكورة ضعيفة لأن وجود الخلاف ممن أشرنا إليه في صدر المسألة لا يقدح لشذوذه على أنه قيل رجع صاحب المدارك عما قاله في مواضع من كتابه وهو جيد وأما العلامة فلا يمكن استفادة الخلاف منه لجواز كون قصده فيما ذكره إلزام المانع من التسامح سلمنا
ولكن الإجماعات المحكية المتقدمة أصرح دلالة مما ذكروه فيجب تقيده بها خصوصا مع اعتضادها بمشاهدة سيرة الأصحاب حتى العلامة وصاحب المدارك في الفقه