ما أشار إليه في المنية أيضا فقال احتج المخالف بأنه لو كان التكليف منوطا بعدم الغفلة لم يجب على الصبي والمجنون والنائم ضمان ما أتلفوه والتالي باطل فإنهم ضامنون ما أتلفوه في تلك الأحوال اتفاقا وكذلك يجب الزكاة في أموالهم وذلك مؤذن بتكليفهم ثم أجاب عن هذا فقال الجواب المنع من الملازمة فإن وجوب ضمان قيمة المتلف وثبوت الزكاة في أموالهم لا يتعلقان بأفعالهم وليس ذلك تكليفا لهم بل هو من باب الأسباب والمكلف بإخراجها الولي وصلاة المميز غير مأمور بها من جهة الشارع بل من جهة الولي وخطابه مفهوم للصبي بخلاف خطاب الشارع انتهى وقد أشار إلى هذا الجواب أيضا في التهذيب ومنها ما أشار إليه في المنية أيضا فقال احتج المخالف بأنه لو لم يصح مخاطبة الغافل لم يصح منه تعالى مخاطبة السكران والتالي باطل لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون والملازمة ظاهرة إذ السكران حال سكره غافل غير فاهم للخطاب ثم أجاب عن هذا فقال والجواب أن المراد بالسكران هنا من ظهر منه مبادي الطرب ولم يزل عقله وهو الثمل بقرينة قوله تعالى حتى تعلموا ما تقولون أي يتكامل فيكم الفهم والفطنة وقيل الآية وردت قبل تحريم الشرب والمراد منها لا تسكروا وقت الصلاة مثل قوله تعالى لا تتهجد وأنت شبعان أي لا تشبع وقت تهجدك فلفظ حتى على التأويل الأول بمعنى الغاية وعلى الثاني بمعنى كي انتهى وقد أشار إلى ما ذكره من الجواب في النهاية والتهذيب أيضا وأجاب بما حكاه عن بعض في النهاية أيضا وأجاب بالجوابين في المختصر وشرحه والإحكام فقالوا الجواب أنه ظاهر في مقابلة قاطع فيجب تأويله وله تأويلان أحدهما أنه نهى عن السكر عند إرادة الصلاة نحو لا تمت وأنت ظالم وثانيهما أنه نهى عن الثمل الثابت العقل وسمي الثمل سكرا لأنه يؤدي إلى السكر غالبا وحكمة نهيه أنه يمنعه التثبت كالغضب وقد يقال للغضبان اسكت حتى تعلم ما تقول أي تعلم علما كاملا وليس الغرض نفى العلم عنه بالكلية
وينبغي التنبيه على أمور
الأول
لا فرق في توقف على الشروط المذكورة بين الواجب والحرام ولا فرق في الواجب بين النفسي والغيري كوجوب الوضوء على الأصح ولا بين العيني والتخييري والكفائي والموسع والمضيق ولا بين العبادات وغيرها وهل يشترط الاستحباب والكراهة بتلك الشروط الأربعة أو لا فيه إشكال نعم لا إشكال في اشتراطهما بما عدا البلوغ وإنما الإشكال فيه والذي يقتضيه الأصل عدم الاشتراط حيث يكون الدليل الدال عليهما شاملا لغير البالغ وهل الإباحة يشترط به أو لا المعتمد هو الأول
الثاني
لا يشترط في التكليف المذكورة فالأنثى يصح تكليفها وقد وقع بالضرورة من الدين وكذا لا يشترط فيه الحرية كما صرح به في العدة والذريعة ففي الأول الأمر يتناول الكافر والعبد كما يتناول المسلم والحر ذهب أكثر المتكلمين والفقهاء إلى أن الكافر مخاطب بالشرائع وكذلك العبد وقال قوم شذاذ ليسا بمخاطبين بها والذي أذهب إليه هو الأول والذي يدل على ذلك أن المراعي في كون المكلف مخاطبا بالشريعة أن يرد الخطاب على وجه يتناوله طاهرة ويكون متمكنا من ذلك ثم أخذ في الاحتجاج على كون الكافر مكلفا بالفروع وحاصله شمول العمومات ثم قال والكلام في العبد كالكلام في الكافر سواء لا فرق بينهما إذا كان داخلا تحت الاسم وليس لهم أن يقولوا إن العبد لا يملك تصرفه فكيف يجب عليه فعل ذلك لأنا لا نسلم أنه لا يملك تصرفه على كل حال لأن الأوقات التي هي أوقات العبادات مستثناة من جملة ما يملك منه من الأوقات فسقط الاعتراض بذلك وفي الثاني أما العبد يدخل في الخطاب إذا تكامل شروطه في نفسه وكان ظاهر الخطاب يصح أن يتناوله وإنما يكون الخطاب بهذه الصفة إذا لم يكن مقيدا بالحرية ويتعلق بالأملاك فإن العبد لا يملك والعبد في هذه القضية كالحر وكونه مملوكا عليه تصرفه لا يمنع وجوب العبادات عليه إذ المولى إنما يملك تصرفه عليه في غير وقت وجوب عبادة وأوقات العبادات مستثناة من ذلك انتهى والتحقيق أن يقال أن من منع من تعلق التكليف بالعبد إن أراد أن الخطاب المتعلق به التكليف والحكم إذا اختص لغة بالأحرار لا يجوز الحكم بشموله للعبيد فهو حق لا شبهة فيه ولكنه بعيد وإن أراد أن الأصل عدم تعلق التكليف بالعبد وإن اندرج تحت الخطاب حتى يقوم دليل قاطع على التعلق عنه فهو فاسد جدا لعدم الدليل ومجرد مملوكيته لا يصلح لذلك كما لا يخفى وإن أراد أنه لا يصح تعلق التكليف به كما لا يتعلق بالمجنون فهو أظهر فاسد الوقوع ذلك في الشريعة بالضرورة من الدين
الثالث
يتفرع على ما ذكرنا من الشروط أمور منها عدم جواز تكليف المكره إيجادا وإعداما إن بلغ الإكراه حد الإلجاء وقد صرح بعدم جواز ذلك في النهاية والتهذيب والمبادي وشرحه والمنية والإحكام والمعراج وقد حكي في جملة من الكتب جوازه عن القائلين بجواز التكليف بما لا يطاق ففي شرح المبادي الإكراه إما أن يبلغ حده الإلجاء أو لا فإن كان الأول امتنع تكليفه به ثم قال هذا على رأي المعتزلة وأما على رأي الأشاعرة فإنه جائز ففي المنية اختلفوا في المكره على فعل هل يصح أن يكون مكلفا به أم لا فجوزوا تكليف ما لا يطاق جوزوه وأما المانعون منه فقالوا إن لم يبلغ الإكراه إلى حد الإلجاء صح تكليفه وإن بلغ بحيث صار وجود الفعل منه واجبا وعدمه