تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الأصول — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
ذلك أيضا جملة من الأخبار منها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال لما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر ثم قال وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا هو أحب إلي منك ولا أكلمك إلا فيمن أحب أما إني إياك آمر وإياك أنهى وإياك أعاقب وإياك أثيب ومنها خبر آخر لمحمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحسن منك إياك آمر وإياك أنهى ومنها خبر هشام قال أبو عبد الله عليه السلام لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر ثم قال وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا هو أحب إلي منك بك أعطي وما عليك أثيب ومنها خبر أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال إن الله خلق العقل فقال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر ثم قال ألا وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحب إلي منك لك الثواب وعليك العقاب ومنها ما أشار إليه في الوسائل فقال وعن بعض أصحابنا رفعه عنهم عليهم السلام إن الله خلق العقل فقال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال وعزتي وجلالي ما خلقت شيئا أحسن منك وأحب إلي منك بك آخذ وبك أعطي ومنها غير تلك من الأخبار ولا فرق في ذلك بين أن يكون التكليف مفيدا للوجوب أو التحريم أو الاستحباب أو الكراهة وبالجملة كلما أفاد الطلب فهو لا يتعلق به الرخصة والإباحة أو لا المعتمد هو الثاني ووجهه واضح وهل يتعلق به الحكم الوضعي بمعنى جواز الحكم بكون فعله موجبا وسببا لأمر أو لا المعتمد هو الأول ووجهه في غاية الوضوح وهل يلحق بالمجنون السفيه والبله والوسواسي أو لا المعتمد هو الثاني لبقاء العقل الموجب التكليف فيهما ولو كان الجنون يعتوره أدوار أصح تكليفه حال الإفاقة لا حال الجنون ومنها أن يكون قادرا على الفعل والترك ولو لم يكن قادرا عليهما لم يجز التكليف بهما وذلك مما يدل عليه الأدلة الأربعة أما الكتاب فقوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ونحو ذلك من الآيات الكثيرة وأما السنة فأخبار كثيرة بل هي متواترة وأما الإجماع فإن الشيعة الإمامية مطبقة على ذلك ولا يقدح في ذلك مخالفة طائفة من العامة وأما العقل فإن قبح ذلك معلوم منه بالظاهر وقد ثبت عندنا بالحجج القاهرة الباهرة أن الحكيم منزه عن القبيح العقلي بالجملة لا إشكال ولا شبهة فيما ذكر ولهذا اقتصرنا الكلام فيه على ما ذكر ولا فرق في ذلك بين كون عدم القدرة ذاتيا كما في الجمع بين النقيضين والضدين أو عرضيا كما في الزمن بالنسبة إلى المشي ومن قلعت عيناه بالنسبة إلى الأبصار وكذا لا فرق في ذلك بين أن يكون منشأ سلب القدرة آفة سماوية أو نفسه كما فيمن قطع يده باختيار منه بالنسبة إلى غسل اليدين في الوضوء والغسل فإنه حينئذ لا يكلف به فيهما وإن استوجب بما فعله العقاب وقاعدة الإيجاب بالاختيار لا ينافي الاختيار لا تنافي ما ذكر كما لا يخفى ومنها أن يكون بالغا فلو كان غير بالغ وصغيرا لم يجز تكليفه وقد صرح بهذا الشرط في النهاية فقال شرائط المكلف وهي خمسة الأول البلوغ فلا يكلف الصبي لقوله عليه السلام رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ ولأنه إن لم يكن مميزا فهو بالنسبة إلى فهم تفاصيل الخطاب كالجماد والبهيمة بالنسبة إلى فهم أصل الخطاب وكما امتنع تكليف الدابة كذا امتنع تكليف غير المميز إلا عند القائلين بجواز التكليف كما يتوقف مقصوده على فهم أصل الخطاب كذا يتوقف على فهم تفاصيله وإن كان مميزا فهو وإن فهم ما لا يفهمه غير المميز إلا أنه قاصر الفهم لا يعرف ما يعرفه كامل العقل من وجود الله تعالى وبيان صفاته على التفصيل فنسبته إلى غير المميز كنسبة غير المميز إلى البهيمة وإن قارن البلوغ بحيث لم يبق بينه وبين البلوغ سوى لحظة واحدة فإنه وإن كان فهمه كفهم البالغ غير أنه لما كان العقل والفهم خفيا وظهوره يقع على التدريج ولم يكن ضابط يعرف له جعل الشارع له ضابطا هو البلوغ وأسقط التكليف عنه قبله تخفيفا عليه لا يقال الصبي يجب عليه الزكاة والضمان وهو نوع تكليف ويؤمر المسمين بالصلاة لأنا نقول الزكاة والضمان لم يتعلقا بفعل الصبي بل بما له أو بوليه المكلف بالإخراج عنه أو بذمته فإنه أهل الذمة من حيث الإنسانية المتهيئ بها لفهم الخطاب عند البلوغ بخلاف البهيمة وليس ذلك من باب التكليف وأما الأمر بالصلاة للميز فليس من جهة الشارع بل من جهة الولي ويفهم خطابه بخلاف خطاب الشرع انتهى وقد أشار إلى جميع ما ذكره في الإحكام والظاهر أن اشتراط البلوغ في التكليف مما لا خلاف فيه بين الأصحاب وثابت من جهة الشرع وإلا لم يستقل العقل بإثبات ذلك كما لا يخفى نعم يستحيل عقلا تكليف الصبي في جميع الأحوال حتى لو كان فيما إذا كان رضيعا ولكن ذلك يعلم من اشتراط العقل والقدرة فلا يكون ذلك شرطا عقليا آخر فالبلوغ شرط شرعي فيدور مدار الأدلة الشرعية فتدبر وهل البلوغ شرط في جميع الأحكام الشرعية التكليفية حتى المندوب والمكروه أو لا بل يختص بالواجب والحرام ربما يظهر من المدارك الثاني فإنه قال استقرب العلامة في المختلف أن عبادة الصبي تمرينية لأن التكليف مشروط بالبلوغ ومع انتفائه ينتفي المشروط ويمكن المناقشة في اعتبار هذا الشرط على إطلاقه فإن العقل لا يأبى توجه الخطاب إلى الصبي المميز والشرع إنما اقتضى توقف التكليف بالواجب والمحرم على البلوغ لحديث رفع ونحوه أما التكليف بالمندوب وما في معناه فلا مانع