تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
لَا يَصْلُحُ لِسَانَانِ فِي فَمٍ وَاحِدٍ ولَا سَيْفَانِ فِي غِمْدٍ وَاحِدٍ ولَا قَلْبَانِ فِي صَدْرٍ وَاحِدٍ وكَذَلِكَ الأَذْهَانُ
شرح
ويحب الدنيا فهو كذي اللسانين ، الجامع بين مؤالفة المتباغضين فإن الدنيا والآخرة كضرتين وطاعة الله وطاعة الهوى كالمتباغضين ، فقلبه منافق ذو لسانين ، لسان منه مع الله والآخر مع ما سواه فهذا أولى بالذم من ذي اللسانين . وتحقيقه : أن بدن الإنسان بمنزلة مدينة كبيرة لها حصن منيع هو القلب ، بل هو العالم الصغير من جهة ، والعالم الكبير من جهة أخرى ، والله سبحانه هو سلطان القلب ومدبره ، بل القلب عرشه ، وحصنه بالعقل والملائكة ، ونوره بالأنوار الملكوتية ، واستخدمه القوي الظاهرة والباطنة ، والجوارح والأعضاء الكثيرة ولهذا الحصن أعداء كثيرة من النفس الأمارة والشياطين الغدارة ، وأصناف الشهوات النفسانية والشبهات الشيطانية ، فإذا مال العبد بتأييده سبحانه إلى عالم الملكوت ، وصفى قلبه بالطاعات والرياضات عن شوك الشكوك والشبهات ، وقذارة الميل إلى الشهوات استولى عليه حبه تعالى ، ومنعه عن حب غيره ، فصارت القوي والمشاعر وجميع الآلات البدنية مطيعة منقادة له ، ولا يأتي شيء منها بما ينافي رضاه . وإذا غلبت عليه الشقوة وسقط في مهاوي الطبيعة ، استولى الشيطان على قلبه وجعله مستقر ملكه ونفرت عنه الملائكة ، وأحاطت به الشياطين ، وصارت أعماله كلها للدنيا وإرادته كلها للهوى ، فيدعي أنه يعبد الله وقد نسي الرحمن وهو يعبد النفس والشيطان . فظهر أنه لا يجتمع حب الله وحب الدنيا ومتابعة الله ومتابعة الهوى في قلب واحد ، وليس للإنسان قلبان حتى يحب بأحدهما الرب تعالى ويقصده بأعماله ، ويحب بالآخر الدنيا وشهواتها ويقصدها في أفعاله ، كما قال سبحانه : « ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ » ( 1 ) ومثل سبحانه لذلك باللسان والسيف ، فكما لا يكون
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب : 4 .