وتَلَا هَذِه الآيَةَ * ( ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ولِذلِكَ خَلَقَهُمْ ) * ( 1 ) يَا أَبَا عُبَيْدَةَ النَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِي إِصَابَةِ الْقَوْلِ وكُلُّهُمْ هَالِكٌ قَالَ قُلْتُ قَوْلُه * ( إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ) * قَالَ هُمْ شِيعَتُنَا ولِرَحْمَتِه خَلَقَهُمْ وهُوَ قَوْلُه * ( ولِذلِكَ خَلَقَهُمْ ) * يَقُولُ لِطَاعَةِ الإِمَامِ
شرح
الناس " يعني اختلافهم في هذه المسألة على أقوال شتى وقد مر تحقيقه في باب الجبر والاختيار وباب الاستطاعة ، والواو في " وتلا " للحالية وقوله : " يا أبا عبيدة " مفعول قال ، والمراد بالناس المختلفون ، والمراد بالإصابة الوجدان والإدراك والتفويض ، والآية في سورة هود هكذا : « وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ » .
وقال الطبرسي ( ره ) : لجعل الناس أمة واحدة ، أي على ملة واحدة ودين واحد ، فيكونون مسلمين صالحين ، وذلك بأن يلجئهم إلى الإسلام بأن يخلق في قلوبهم العلم بأنهم لو راموا غير ذلك لمنعوا منه ولكن ذلك ينافي التكليف ويبطل كالغرض بالتكليف ، لأن الغرض استحقاق الثواب ، والإلجاء يمنع من استحقاق الثواب ، فلذلك لم يشأ الله ذلك ، ولكن شاء الله أن يؤمنوا باختيارهم ليستحقوا الثواب « وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ » في الأديان ، وقيل : في الأرزاق والأحوال ، وتسخير بعضهم لبعض « إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ » من المؤمنين فإنهم لا يختلفون ويجتمعون على الحق ، والمعنى ولا يزالون مختلفين بالباطل إلا من رحمهم الله بفعل اللطف لهم الذي يؤمنون عنده ويستحقون به الثواب ، فإن من هذه صورته ناج من الاختلاف بالباطل .
« وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ » اختلفوا في معناه فقيل : يريد للرحمة خلقهم ولا ينافي ذلك تأنيث الرحمة لأنه غير حقيقي وإذا ذكر فعلى معنى الفضل والإنعام ، وقد قال سبحانه :
« هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي » ( 2 ) و : « إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ » ( 3 ) وقيل : إن المعنى وللاختلاف خلقهم واللام لام العاقبة ، يريد إن الله خلقهم وعلم أن عاقبتهم يؤول إلى الاختلاف المذموم وقيل : إن ذلك إشارة إلى اجتماعهم على الإيمان ، وكونهم فيه أمة واحدة ولا محالة
هامش
( 1 ) سورة هود : 118 .
( 2 ) سورة الكهف : 98 .
( 3 ) سورة الأعراف : 56 .