تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
شرح
بما قرع آذانهم « بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا » وجه الأضلية إن البهائم معذورة لعدم القابلية والشعور ، وكانت لهم تلك القابلية فضيعوها ونزلوا أنفسهم منزلة البهائم أو أن الأنعام ألهمت منافعها ومضارها ، وهي لا تفعل ما يضرها ، وهؤلاء عرفوا طريق الهلاك والنجاة وسعوا في هلاك أنفسهم ، وأيضا تنقاد لمن يتعهدها وتميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها ، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ، ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار ، ولأنها إن لم تعتقد حقا ولم تكتسب خيرا لم تعتقد باطلا ، ولم تكتسب شرا ، بخلاف هؤلاء ، ولأن جهالتها لا تضر بأحد وجهالة هؤلاء تؤدي إلى هيج الفتن ، وصد الناس عن الحق . أقول : أو لأنها تعرف ربها ولها تسبيح وتقديس كما ورد به الأخبار ، وقيل : المراد إن شئت شبهتهم بالأنعام فلك ذلك ، بل لك أن تشبههم بأضل منها كالسباع . قوله تعالى : « لا يُقاتِلُونَكُمْ » نزلت في بني النضير من اليهود والذين وافقوهم وراسلوهم من منافقي المدينة « جَمِيعاً » أي مجتمعين « إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ » أي بالدروب والخنادق ، « أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ » أي لفرط رهبتهم « بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ » أي ليس ذلك لضعفهم وجبنهم فإنه يشتد بأسهم إذا حارب بعضهم بعضا بل لقذف الله الرعب في قلوبهم ، ولأن الشجاع يجبن والعزيز يذل إذا حارب الله ورسوله « تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً » أي مجتمعين متفقين [ غير متفرقين ] « وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى » أي متفرقة لافتراق عقائدهم واختلاف مقاصدهم « ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ » أي ما فيه صلاحهم وإن تشتت القلوب يوهن قواهم .
هامش
( 1 ) سورة الفرقان : 44 . ( 2 ) سورة الحشر : 14 .